طه حسين الأزهري الليبرالي ودفاعه عن اليهود

نجح عميد الأدب العربي في التنبؤ بقوة الجامعة العبرية قبل ازدهارها بعقود، ولم يبال أو يكترث بالسخط الاسلامي أو القومي واعترف بفضل اليهود وأقر ببراعتهم الفكرية

حصري لموقع المغرد من عزت حامد – القاهرة

صادفت يوم الثامن والعشرين من شهر نوفمبر الجاري (2017) ذكرى رحيل عميد الأدب العربي طه حسين عن عالمنا، وهي ذكرى يحتفل بها العالم الأدبي والفكر الانساني خاصة مع قدره هذا الأديب العالمي الكبير على فرض كثير من النظريات العلمية والأدبية المتميزة على العقل العربي. ولا يزال عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين يثير جدلا واسعاً في المحافل الفكرية العربية، وهو جدل تزايد عقب دفاعه عن آرائه وايمانه بالتعاون والتعايش مع إسرائيل، ليسبق قاهر الظلام عهده بعقود طويلة، ويكون منبرا ومثالا للملايين من عشاق الأدب الانساني والعالمي

غير أنّ الجدل ارتبط بهذا الأديب العالمي، على الصعيد العربي على الأقل، بسبب زيارته إلى إسرائيل وتحديدا الجامعة العبرية، ما سبب هجوم عدد من الكتاب القوميين أو الاسلاميين عليه، وهو ما أكده الرئيس الاسرائيلي الراحل اسحق نافون خلال اللقاء الذي جمعه بنظيره المصري الراحل محمد أنور السادات في السابع عشر من شهر أكتوبر عام 1980.

الجامعة العبرية

وكان طه حسين “عميد الأدب العربي” من أبرز من أشادوا بالمستوى العلمي الذي اقيمت وتأسست عليه الجامعة العبرية بالقدس، وربما توقع قبل غيره بعقود طويلة بلوغ هذه الجامعة المستوى العلمي على مستوى المنطقة والعالم.

بعض الكتابات العربية رصدت العلاقات المتميزة التي جمعت بين عميد الأدب العربي طه حسين من جهة والحركة التنويرية الثقافية اليهودية من جهة أخرى.

وعلى سبيل المثال اشارت مجلة الشمس الفكرية اليهودية في مصر إلى سلسلة من محاضرات ألقاها عميد الادب العربي عام 1943 في المدارس التابعة لليهود في مصر، وهي المحاضرات التي واظب عدد كبير من اليهود وكبار رجال الدين من الحاخامات على الحضور إليها، ما دفع تلك المدارس إلى الإعلان عن جائزة باسم الدكتور طه حسين تمنح سنوياً للفائز الأول والفائزة الأولى في اللغة العربية”.

حقيقة الجدل حول عبد الله بن سبأ

اعترف طه حسين بالظلم التاريخي الذي تعرض له الكثير من اليهود في الشتات العربي ممن عاشوا في الدول العربية منذ القدم، قائلا “إن اليهود العرب تم التنكيل والاساءة اليهم في الكثير من الحوادث ومجريات التاريخ العربي رغم أنهم أبرياء”. دفع بالكثير من الأدباء العرب إلى أن يستشيطوا غضبا من حسين، وهو ما اثار موجة سخط أججته الحركات القومية العربية وفي طليعتها الحركة الناصرية، حتى أن البعثيين والناصرين ألصقوا به صفة الشعوبية آنذاك وكانت تهمة جاهزة يلصقونها بكل من اختلفت آرائه عنهم.

وخاض طه حسين حربا ثقافية كبيرة محاولا نفي وجود شخصية عبد الله بن سبأ المختلف حوله والمتهم بإثارة الفتن بين العرب، والتي انتهت بقتل الخليفة الاسلامي عثمان بن عفان. رغم أنّ كتب التاريخ القديم لم تشر الى وجود هذه الشخصية، لكن كتب المحدثين ركزت عليها.

ونسب الى طه حسين القول إنّ غبن سبأ برئ تماما، وان كل جريمته أنه كان يهوديا فقط، الأمر الذي أثار الكثير من الانتقادات له ودفعت حتى بعدد من الشيوخ والعلماء المتشددين إلى انتقاده بشراسة، ولعل أبرزهم العالم الاسلامي انور وجدي الذي وضع كتابه المعروف: «طه حسين: حياته وفكره في ميزان الإسلام» والصادر عام 1976، وهو كتاب ينطوي على اتهامات قاسية لطه حسين، حيث وصفه أنور وجدي بالعميل للحركة الصهيونية والمناصر المصري لها.

وزير الثقافة المصرية…محامي طه حسين

ومع تواصل الهجوم العربي الشرس ضد طه حسين بسبب مواقفه من اليهودية وإسرائيل، ومحاولة المفكرين الاسلاميين والقوميين تكفيره، جاء وزير الثقافة المصري الحالي حلمي النمنم، والذي كان في الأصل صحفيا مسؤولا عن الملف الثقافي في مجلة المصور المصرية، ليدافع عن طه حسين.

ودافع النمنم عن طه حسين في كتابه “طه حسين والصهيونية”، وهو الكتاب الذي صدر منذ قرابة العقد واهتم بالرد على الاتهامات التي وُجّهت إلى عميد الأدب العربي وبخاصة اتهامه بمحاباة الصهيونية.

وذكر النمنم في هذا الكتاب أنّ طه حسين كان داعما للسلام والتعايش، وانه لم يجامل اليهود أو الاسرائيليين على الاطلاق كما يزعم البعض، مشيرا إلى أنه طالب في مختلف مواقفه السياسية بإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية الاسرائيلية محملا الغرب مسؤولية ما جرى بها من تطورات سلبية.

وأشرف طه حسين على رسالة دكتوراه التي تقدم بها الطالب إسرائيل ولفنسون عن اليهود في جزيرة العرب خلال الجاهلية وصدر الإسلام والصادرة عام (1927) كرسالة رائدة تعبر عن مستوى رفعة الجامعات المصرية آنذاك. ووفقاً لـ«النمنم» حاول الباحث في رسالته الالتزام بالروح العلمية خاصة عندما يتحدث عن الصراع بين اليهود والمسلمين في صدر الاسلام.

الواقعة الأخرى التي سببت في فتح النار على طه حسين جاءت حين دعي عميد الأدب العربي لإلقاء محاضرة في مدرسة الطائفة اليهودية بشارع النبي دانيال بالإسكندرية في 24 ديسمبر سنة 1943 وقد تحدث فيها عن اليهود والأدب العربي.

ووفق كتاب “طه حسين والصهيونية” فقد أثارت المحاضرة لغطاً لدى “من لا يميزون بين اليهود عموماً وقادة دولة إسرائيل تحديداً، ومن يريدون تقييم التاريخ العربي كله بمنظار الصراع العربي- الإسرائيلي، وهذا خطأ علمي فادح يرتكبه هؤلاء”.

أما عن رئاسته لتحرير مجلة “الكاتب المصري” التي صدرت عام 1945 وكان مؤسسوها من أسرة “هراري” اليهودية المصرية فقال النمنم إنّ عائلة هراري كانت عائلة يهودية من مصر، وقد استوعبتها مصر في الوقت الذي كانت فيه مصر تستوعب أبناءها من دون التوقف عند الديانات.

عموما فلقد خاض طه حسين وطوال مسيرته التنويرية معارك على كل الجبهات جراء أفكاره الجريئة التي طرحها في كتبه ومقالاته، وهو ما يؤكد على حقيقة واحدة دامعة، وهي أنّ السياسة لم تؤثر على فكره واعطى الاولوية للعلم والفكر المتحرر، وهوما جعله عميدا للفكر العربي المتحرر الليبرالي بلا منازع.

حقوق الصورة البارزة: منارة الزيتونة

تعليقات