صوم استير وصحوة الحركة النسوية اليهودية

كيف يرتبط صوم الشعب اليهودي في شهر “أدار” بسعي المرأة اليهودية في إسرائيل الى تحقيق المزيد من المساواة مع الرجال في الفضاء الديني؟

حصري للمغرد / أوهاد مرلين 

صوم استير

يصوم الشعب اليهودي في الثالث عشر من شهر “أدار” العبري، إحياء لذكرى صوم الملكة استير، المذكور في سفر استير من الكتاب المقدس. ويروي السفر أخبار أيام اليهود في عاصمة الامبراطورية الفارسية، شوشان، خلال القرن السادس قبل الميلاد.

يروي السفر حكاية بطلة الرواية، استير، والتي أختارها الملك أحشويروش (أي خشايارشا الأول) شريكة حياته وملكة، دون أن تقول له أنها يهودية.

وبعد فترة من الوقت تآمر مستشار الملك أحشويروش، هامان، على قتل جميع يهود المملكة.
فلما سمع ذلك عم استير، موردخاي، أخبرها بهذه المؤامرة الشريرة وطالبها بأن تستجدي الملك لإنقاذ اخوانها اليهود. ورغم أن التوجه للملك مباشرة، في تلك الأزمنة، بدون دعوة منه كان يعتبر تجاوزا قد يفضي الى عقاب خطير.غير أن استير قررت أن تخاطر بحياتها من أجل شعبها، وطلبت من موردخاي ان يستنفر جميع اليهود ويطلب اليهم الصيام لمدة ثلاثة ايام وليالي بكاملها فيما ستصوم هي وجواريها:

“وهكذا ادخل على الملك، خلافاً للعُرف ، فاذا هلكتُ – هلكتُ.” (استير، 4:16)

غير ان المجازفة اجدت الملكة استير نفعا، إذ تنتهي القصة بنجاة اليهود من الهلاك الذي كان يحدق بهم بفضل ممارسة التوبة والاستغفار والصوم التي أمرت بها الملكة أستير، وبعد سلسلة من الأحداث التي قلبت الأمور كاملا لصالح اليهود.

ويعبر توقيت هذا الصوم، يوم واحد قبل عيد المساخر (بوريم) الذي يحتفل فيه اليهود بالنجاة من تلك المصيبة، عن الربط القوي الموجود بين حالات الحزن والخطر وحالات السعادة والشكر.

ونتذكر في مثل هذا اليوم أن الصوم ليس هدفاً بحد ذاته بل وسيلة لتحفيز الانسان على التوبة والتمعن في تصرفاته.

“يوم النساء المحرومات من الطلاق”

وتقديراً لشجاعة الملكة استير والقدوة التي تمثلها ومركزية شخصيتها النسائية البارزة في سفر استير، قرر البرلمان الإسرائيلي “الكنيست” في السنوات الأخيرة اعتبار يوم صوم استير “يوم هاعاغونوت” أي النساء اللواتي يصعب عليهن الحصول على الطلاق بسبب الظروف. على سبيل المثال، اختفاء الزوج سنوات طويلة دون ان يترك اي اثر. يتوخى هذا اليوم ،توعية الراي العام بخصوص أوضاع النساء اللواتي  تواجهن الصعوبات في الحصول على الطلاق من الحاخامية اي المؤسسة الدينية وامكانية زواجها مرة أخرى.

وفقا للشريعة اليهودية (الهلاخا) فإن الطلاق ممكن فقط في حال اتفق عليه الزوجان، أي لا يمكن الطلاق بشكل أحادي الجانب. لكن بشكل عام وضع المرأة أضعف من وضع الرجل سواء من ناحية الدخل او العيش في مجتمع ذكوري. هذا الوضع يشجع الرجال على التمسك بشروط لا تقبلها الزوجة لاعتباره الطرف القوي في المعادلة لكنها إن ارادت الطلاق منه فعليها ان تذعن لشروطه التي قد تكون اشبه بالإبتزاز. وحتى ذلك الحين قد تجد نفسها هذه المرأة سجينة في عش الزوجية ريثما تتنازل عن حقوقها!

وجدير بالذكر بأن صلاحيات الزواج في دولة إسرائيل تحددها  المحاكم الشرعية فقط، سواء أن كانت اليهودية أم المسيحية أم الإسلامية، وبشكل عام فرصة الزواج والطلاق المدني  في إسرائيل غير قائمة على الاطلاق.

وكرست الكنيست حلقات دراسية حول هذا الموضوع المهم بهدف ايجاد السبل لدعم المرأة ومساندتها في مثل هذه الحالات الصعبة.

صحوة الحركة النسوية المتدينة في اليهودية

وفي الآونة الأخيرة صحت في إسرائيل وفي الجاليات اليهودية في جميع أرجاء العالم حركة نسوية كبيرة ضمن اليهوديات المتدينات، مطالبات بزيادة مشاركة النساء في دوائر الحياة الدينية اليهودية، في الكنس وقيادة المجتمعات والخ. وتقول هذه القراءة ان هناك مفارقة بين مشاركة المرأة في إسرائيل وفي العالم الغربي في المناصب الإدارية والقيادية في مختلف القطاعات، سواء كان القطاع الحكومي والقانوني والأكاديمي والاقتصادي والرياضي وحتى القطاع العسكري، لكن تبقى المشاركة في الشؤون الدينية ممنوعة.

لذلك قامت على مر السنوات الأخيرة عدة مجتمعات أيديولوجية تدمج النساء في الحياة اليهودية اليومية، في الصلوات ودراسة الدين وحتى الإفتاء، ومع التزام كامل بالشريعة اليهودية (الهلاخا). ومن أبرز التغييرات المباركة التي تشهدها أيامنا انضمام النساء لدوائر القراء في سفر استير في الكنس، سواء ان كان في الصلوات بمشاركة النساء فقط أم في غيرها من تشكيلات، بالتوافق مع القيمة الموجودة في التلمود البابلي:

“فالنساء كانّ أيضا جزء من تلك المعجزة (معجزة النجاة من المصيبة)” (ماسيخيت شبات 23).

ومثل ما شاهدناه في المقالات التي نشرت في المغرد بشأن النساء الرائدات في تاريخ اليهودية، فإن دور المرأة يحتل موقعا مهما في وعي كل امرأة يهودية وإسرائيلية منذ قرون طويلة، وان شاء الله سوف نرى مشاركة أكبر وقسط اوفر من المساواة بين الرجل والمرأة في المستقبل.

حقوق التصوير: المكتبة الوطنية الإسرائيلية

تعليقات