مقامات الحاخامات اليهود في أنحاء العالم

إنها تمتد من أومان (أوكرانيا) وحتى اليمن، ومن نيويورك حتى مصر: إذ لا يكتفي جموع المؤمنين اليهود بالمحجّات الدينية في إسرائيل بل أصبحوا يرتادون قبور ومقامات الحاخامات والصدّيقين في ربوع المعمورة. ها هي قائمة بأبرز هذه المواقع الدينية:

قبر الحاخام لوبافيتش (الولايات المتحدة)

كانت فترة حياة الحاخام مناحيم مندل شنيئورسون (شنيئورساهن) قد امتدت ما بين عاميْ 1902-1994. وقد وُلد في قرية نيكولييف في روسيا القيصرية (حالياً في أوكرانيا). وتمكن الحاخام من الهرب في غمرة أحداث الحرب العالمية الثانية بعيداً عن فظائع الحكم النازي الألماني ثم استقرّ مع حميه (والد زوجته) في ضاحية بروكلين من مدينة نيويورك،  وعندما توفي الأخير الذي كان سادس الحاخامات الواقفين على رأس تيار “حباد” الديني، أصبح الحاخام مناحيم مندل شنيئورسون الحاخام السابع الذي يتولى قيادة هذا التيار المعروف أيضاً لدى العامة باسم “لوبافيتش”.

موقع القبر: لقد ووري الحاخام لوبافيتش الثرى إلى جانب حميه في القبر المعروف باسم “خيمة حباد- لوبافيتش” في مقبرة مونتفيوري اليهودية في ضاحية كوينس من مدينة نيويورك.

قبر البعل شِم توف (أوكرانيا)

كان الحاخام يسرائيل بن إليعيزير المكنَّى “البَعَل شِم تُوف” (حرفياً: “صاحب السمعة الطيبة”) قد عاش في الفترة ما بين عاميْ 1690-1760. لعل الأمر مفاجئ نوعاً ما، لكن لا يوجد إلا القليل من المعلومات ذات المصداقية التي توثّق حياة هذا المرجع الديني الكبير الذي يُعتبر “مؤسس عقيدة الحسيدوت” (تعني “حسيدوت” التقوى والورع حرفياً وهي قريبة نوعاً من المذاهب الصوفية في الإسلام)، التي كانت بمثابة منهاج جديد في “عبادة الله” أحدث تغييراً كبيراً في التيارات اليهودية الأرثذوكسية (المحافظة دينياً) وانتشرت خصيصاً لدى عامة الشعب اليهودي الذين كانوا عاجزين عن دراسة التوراة وكانوا يعيشون وسط ظروف من الفقر المدقع في أوروبا الشرقية. وقد عاش البعل شم توف حياته في إقليم بودوليا (حالياً وسط أوكرانيا) وكان يتنقل بين مدن مختلفة إلى أن استقر في بلدة مِجِيبوج حيث توفاه الله. وبفضل طلابه ومريديه أصبحت عقيدة الحسيدوت تنتشر في المجتمعات اليهودية بأوروبا الشرقية رغم ما تعرضت له من معارضة وانتقاد شديد من جانب كبار المراجع الدينية المحافظة (المعروفة باسم “الليتوانية” كون منطقة ليتوانيا أهم المراكز الدينية التي قاومت حينها التيار الديني الجديد).

موقع القبر: بلدة مجيبوج في أوكرانيا.

قبر “الناطق” من مِزيريتش (أوكرانيا)

كان الحاخام دوف بار من مِزيريتش قد عاش بين عاميْ 1710-1772. وقد وُلد في منطقة فوهلين (حالياً غرب أوكرانيا). ورغم كونه بداية من معارضي حركة الحسيدوت المشار إليها إلا أنه أصبح فيما بعد أكبر تلاميذ البعل شم توف بل تم اختياره لخلافته في قيادة الحركة. وعمل هذا الحاخام المعروف بلقبه “الناطق” على مدى سنوات طوال في بلدة مزيريتش حيث صارت حركة الحسيدوت تنتشر في عصره بين يهود أوروبا الشرقية.

موقع القبر: بلدة أنوبول الواقعة في محافظة حملنيتسكي في شمال أوكرانيا.

قبر الحاخام ليفي يتسحاق من بِرْديتشيف (أوكرانيا)

كان الحاخام ليفي يتسحاق من برديتشيف قد عاش بين عاميْ 1740-1809. وقد وُلد في بلدة هوسكوب البولندية (تقع حالياً غرب أوكرانيا) وتتلمذ بعد زواجه على يد “الناطق” من مزيريتش ثم عمل حاخاماً في مدينتيْ روتشفول وجلخوف ثم أصبح رئيساً لمعهد ديني في مدينة بينسك. وكان الحاخام ليفي يتسحاق يُكنَّى “محامي شعب إسرائيل” وهي الصفة التي تعرضت للاختبار عام 1785 عندما تم إقصاؤه من جميع مناصبه في بينسك على اعتبار أن رؤساء المجتمع اليهودي في تلك المدينة، شأنهم شأن الغالبية العظمى من المؤسسة اليهودية في ذلك العصر، أبدوا دعمهم لمقاطعة أتباع حركة الحسيدوت ونبذهم مجتمعياً. وعليه اضطُر الحاخام ليفي يتسحاق إلى الانتقال إلى بلدة برديتشيف في أوكرانيا حيث تولى قيادة مجتمع محلي من أتباع الحسيدوت إلى حين وفاته.

موقع القبر: بلدة برديتشيف في أوكرانيا.

قبر الحاخام نَحْمان من بْرِسلاف (أوكرانيا)

كان الحاخام نحمان من برسلاف قد عاش بين عاميْ 1772-1810. وقد وُلد في بلدة مجيبوج (حالياً في أوكرانيا) وكانت والدته “فييغي” ابنة حفيد البعل شم توف مؤسس حركة الحسيدوت كما سبق، فيما كان والده هو الحاخام نحمان من هورْدَانكا الذي كان يُعدّ من أبرز طلاب البعل شم توف. ولم يحْظَ الحاخام نحمان بالاعتراف الواسع في فترة حياته حيث يعود السبب في ذلك إلى استخفافه بغيره من حاخامات تيار الحسيدوت (“الأدمورات” وهي مفردة منحوتة من الأحرف الأولى للتعبير القائل “سيدنا ومعلمنا وحاخامنا”) مدعياً بأنه وحده يرقى إلى مستوى “وليّ الحق”. وأصبح الحاخام نحمان “أدموراً” في بلدة برسلاف عام 1802 إلا أن احتراق مدرسته جعله ينتقل للسكن في بلدة أومان حيث توفي بعد وقت قصير متأثراً بمرض السل عن عمر يناهز 38 عاماً لا أكثر. وبعد وفاة الحاخام نحمان لم يتم اعتماد أي “أدمور” أو مرجع ديني جديد للتيار الذي كان يقوده داخل حركة الحسيدوت، رغم أن أتباع هذا التيار الذين كانوا ولا يزالون قلائل عددياً منحوا اعترافهم لمراجع دينية أخرى. وتعاظمت مكانة الحاخام نحمان في قلوب الكثير من اليهود منذ أواخر القرن الـ20 حيث أصبح اليهود الشرقيون وأتباع تيارات أخرى لحركة الحسيدوت ناهيك عن أتباع “الليتوانية” (المقاومة عقائدياً للحسيدوت كما ذكِر أعلاه) ومجموعات من اليهود العلمانين يرتادون أيضاً ضريحه.

موقع القبر: مدينة أومان الأوكرانية، علماً بأن الاحتفالات السنوية لإحياء ذكراه تقام يوم 18 من شهر تشري (أول شهور السنة حسب التقويم العبري) بينما يكتظّ المقام بالزوار خاصة عند حلول رأس السنة العبرية ثم عند حلول يوم الغفران اليهودي.

لعل صيت هذا المقام قد ذاع بفضل شهادة تلاميذ الحاخام نحمان ومفادها أن الحاخام  تعهد بأن كل من يرتاد ضريحه في أومان ويتصدق بالقرش لأجل ارتقاء روحه إلى السموات العلى بعد وفاته ثم يقول المزامير العشرة الخاصة بما يُعرف “الإصلاح العام”، فإنه “موعود بأن يحظى بفرصة إصلاح كل ما يجب إصلاحه خلال حياته ثم يغادر الدنيا في موعده بلا أي ذنب وبعد تحقيقه التوبة الكاملة ليتفادى بذلك نار جهنم”.

قبر “الراما” (بولندا)

كان الحاخام موشيه بن يسرائيل إسرليش (المعروف اختصاراً بالأحرف الأولى لاسمه بالعبرية “الراما”) قد عاش بين عاميْ 1530-1572. وقد وُلد في بلدة كجيمييج في جنوب بولندا. وكان القرن الـ16 الميلادي قد شهد صدور مؤلفيْن شرعييْن استضاءت بهما جميع المذاهب والتيارات اليهودية الأرثوذوكسية (المحافظة) ألا وهما كتاب “المائدة المنضودة” الذي وضعه الحاخام يوسيف كارو في مدينة صفد والذي تسير على أحكامه حتى اليوم جميع الطوائف اليهودية الشرقية، ثم كتاب “الخارطة” الذي وضعه الحاخام موشيه بن يسرائيل إسرليش (الراما)، علماً بأن هذا المؤلف صدر أصلاً كملحق مكمل لكتاب “المائدة المنضودة” المشار إليه على أنه يستند إلى التقاليد السائرة لدى طوائف اليهود الغربيين (الأشكناز). وكان “الراما” قد حظي بإجازة الحاخامية عندما كان صبياً لا يتجاوز عمره الـ13 عاماً، وعلى الرغم من أنه توفي في مقتبل عمره إلا أن أحكامه الشرعية أصبحت ملزمة بالنسبة لليهود الغربيين.

موقع القبر: مقبرة “الراما” في كجيمييج وهي حالياً ضاحية من ضواحي مدينة كراكوف البولندية.

قبر “الراغب في الحياة” (بيلاروس)

كان الحاخام يسرائيل مئير هكوهين من رادين قد عاش حياة مديدة بين عاميْ 1839-1933 علماً بأنه شهرته تعود إلى مؤلفه “الراغب في الحياة” الذي يتناول شرائع إطالة اللسان (القذف والتشهير) في الدين اليهودي، حيث جعل هذا الكتاب منذ لحظة صدوره جمهور أتباع التيارات “الليتوانية” (المتشددة دينياً) يحرص باستمرار على الاهتمام بهذه القضايا. كما وضع “الراغب في الحياة” مجموعة كتب أطلق عليها اسم “عقيدة واضحة” بهدف تيسير تعامل شرائح واسعة من اليهود المتدينين مع مختلف الشرائح والأحكام التي كانت حتى ذلك الحين حكراً على الحاخامات. ويعود فضل اطّلاع العديد من اليهود على الشريعة اليهودية بسهولة نسبية إلى سلسلة كتب “العقيدة الواضحة”. وأقام “الراغب في الحياة” مدرسة دينية في بلدته رادين وكان يُعتبر من أهمّ المراجع الدينية بنظر جميع تيارات اليهود الحريديم (المتشددين)، بل كان قد اضطلع بدور في إنشاء حركتهم الكبرى “أغودات يسرائيل”. ورغم ذلك فإنه أصرّ على كسب رزقه من العمل في بقالة.

موقع القبر: بلدة رادين في بيلاروس (روسيا البيضاء)

قبر مردخاي وإستير (إيران)

تُعتبر الملكة إستير وابن عمّها (وزوجها بحسب آراء بعض الحاخامات اليهود القدامى في التلمود) مردخاي، وهما من أبطال سفر “إستير” للتوراة المفترض أن تكون وقائعه قد جرت في القرن السادس قبل الميلاد، شخصيتيْن عظيمتيْن هما محلّ إعجاب اليهود الإيرانيين. ويوجد في مدينة همدان الإيرانية مقام مقدَّس سواء عند المسلمين أو عند اليهود. وكان المسافر اليهودي الفرنسي الشهير بنيامين من توديلا قد وصف في القرن الـ12 للميلاد زيارته لهذا الموقع المقدس وذكر التقليد السائر القائل إن مردخاي وإستير مدفونان في المغارة الواقعة هناك (علماً بأن العمارة الفخمة التي تشهد على هذا المقام لم يتم بناؤها إلا بعد مرور 500 عام).

موقع القبر: مدينة همدان عاصمة محافظة همدان في غرب إيراني. وتجدر الإشارة إلى أن تاريخ وفاة مردخاي وإستير غير معروف إلا أن الكثير من اليهود الإيرانيين كانوا يعتادون زيارة الضريح خلال عيد المساخر (بوريم). وكان اليهود الإيرانيون يدعون في تلك المناسبة الله عز وجل إلى إتمام الزيجات متجاهلين حقيقة ما أورده التلمود من أن زواج إستير من الملك أحَشْويروش جعل زواجها من مردخاي باطلاً.

قبر شالوم الشبزي (اليمن)

كان الحاخام شالوم الشبزي (أو الشبازي) قد عاش بين عاميْ 1619-1686. وقد وُلد في قرية نجد الوليد المجاورة لمدينة تعز بجنوب اليمن. وعندما بلغ الـ15 من العمر توفي والده ما جعله يتحمل عبء إعالة الأسرة، لكن هذا الأمر لم يحُل دون تحوّله فيما بعد إلى أهم مرجع ديني في تاريخ مجتمع يهود اليمن. وتميّز الحاخام شالوم شبازي، بالإضافة إلى مؤلفاته الخاصة بقضايا الشريعة والصلاة (تكلال) ناهيك عن كتاب التمائم (الرقى أو “المزايا” كما تُعرف بالعبرية) الذي أصدره، بأنه ألف العديد من القصائد الدينية التي أصبحت بعضها تُعتبر “كلاسيكية” بعد وضع الألحان لها وقيام عدد من أشهر المغنين الإسرائيليين ومنهم الراحلة عوفرا حازا (التي كانت أصولها تنحدر من يهود اليمن) وعيدان رايخِل بتقديمها. أما شهرة الحاخام شالوم “الشبزي” فتعود إلى انتقاله للسكن في مرحلة ما من حياته إلى قرية شبز. وما زال يهود اليمن يطلقون عليه حتى اليوم اسم “الوالد شالوم شبازي” دليلاً على إعجابهم به.

موقع القبر: مدينة تعز اليمنية. ويشار إلى أن زيارة القبر لا تقتصر على اليهود بل تشمل العديد من المسلمين الذين يؤمنون أيضاً بورود فرصة تحقيق أمنياتهم بفضل صلواتهم وأدعيتهم عند هذا المقام.

قبر الحاخام يعقوب أبو حصيرة (مصر)

كان الحاخام يعقوب ابن مسعود أبو حصيرة قد عاش بين عاميْ 1805-1880. وقد وُلد وترعرع في منطقة تافيلالت بالمغرب حيث كان ابناً لسلالة معروفة من الحاخامات والمراجع الدينية. وبعد حصوله على إجازة الحاخامية تولى الحاخام يعقوب أبو حصيرة قيادة مجتمع يهود تافيلالت الذي عارض مرة تلو أخرى طلباته المتكررة بالسماح له بالهجرة إلى أرض إسرائيل. وبعد ست محاولات فاشلة نجح الحاخام يعقوب في إقناع أبناء مجتمعه بتنصيب ابنه الحاخام مسعود (والد “البابا سالي” المشهور الذي يقع ضريحه في بلدة نتيفوت في النقب الغربي) خلفاً له. وعندها توجه الحاخام يعقوب، الذي كان يطلَق عليه أيضاً “فارس يعقوب” تعبيراً عن عظمته، إلى أرض إسرائيل مروراً بالجزائر وتونس وليبيا ومصر. غير أن هذه الرحلة الطويلة والشاقة لم تكتمل حيث أصاب الحاخام يعقوب أبو حصيرة المرض عند وصوله إلى مدينة دمنهور المصرية ثم توفي ودُفن فيها.

موقع القبر: مدينة دمنهور المصرية. وكان اليهود (خاصة أولئك المنحدرين من أصول مصرية ومغربية) بالإضافة إلى مسلمين يرتادون الحفلة السنوية التي كانت تقام عند الضريح. غير أن محكمة مصرية قضت عام 2014 بوقف هذا التقليد وأوعزت بشطب القبر من قائمة المواقع التراثية للدولة المصرية. كما رفضت السلطات المصرية جملة وتفصيلاً طلب نقل رفات الحاخام يعقوب أبو حصيرة إلى إسرائيل.

(تم وضع التقرير نقلاً عن تحقيق صحفي واسع النطاق نشره موقع Ynet الإخباري الإسرائيلي)

في الصورة البارزة: قبر الحاخام نَحْمان من بْرِسلاف

تعليقات