لماذا نكره إسرائيل؟

بوتان اميدي

انهيت زيارتي مع صديق لي لدولة اسرائيل ونحن متفقون بأننا لم نجد في سفرتنا ان هناك اي سبب او مبرر مقنع لكراهية اسرائيل، لا بل على العكس، وجدنا أسبابا کثيرة لا يستهان بها لاحترام اسرائيل. عند وصولي للمطار، فصلني ضابط الجوازات عن بقية المسافرين للتحقيق عن أسباب زيارتي. ارسلني الى مكان الانتظار ومررت بتحقيقين. جميع الاسئلة كانت تتركز عن أسباب زيارتي لإسرائيل. الضابطان كانا بمنتهى الالتزام والدقة في عملهم ومنتهى الاحترام. لم أشعر بأي سوء تعامل اوعنصرية او اي معاملة توحي بشكوك مسبقة لديهم عني. وفي نهاية التحقيق أعادوا لي الجواز مع ورقة الدخول قائلا: سيد اميدي، كل شي على ما يرام.

أثناء وجودي في المطار لاحظت وجود أكثر من علامة (لافتة) باللغة العربية، فظننت أنها قد تكون بسبب كون المطار مرفقا دوليا ولهذا ترجمت العلامات للغة العربية. ذهبت إلى الصراف لتحويل العملة الأجنبية للعملة الإسرائيلية (الشيكل) فتفاجأت بأن العملة تحتوي على اللغة العبرية والعربية والانكليزية. بعد وصولي لمحطة القطار في تل افيف، لاحظت العلامات باللغة العربية. وعند لقائنا باحدى الشخصيات الإسرائيلية، اكد لنا بأن اللغة العربية تعتبر من اللغات الرسمية في اسرائيل وجميع العلامات الصادرة من الحكومة (علامات الطرق والمدارس والمباني الحكومية وارقام تسجيل السيارات…الخ) کلها مكتوبة باللغة العربية والعبرية.

لقد سمعنا مرارا وتكرارا بأن اليهود يعتدون على العرب وينتهكون حرياتهم واماكن عبادتهم وماشابهها من الدعوات، لکنني شاهدت بأم عيني مساجد في تل افيف وحيفا وعكا…أي في المدن الإسرائيلية (ليس في الضفة الغربية أو غزة). وعندما كنا في حيفا، سمعها اذان الظهر وبصوت عالي. وشاهدنا ترميم بعض المساجد من قبل الحکومة الإسرائيلية.

سمعنا أيضا بأن اليهود يمارسون التمييز العنصري ضد عرب 1948 لکن…

1) عندما كنا في عكا اقتربت من شخصا کان واقفا في مكان وقوف السيارات. سلمت عليه فسألني قائلا: من وين حضرتك؟ قلت له: انا اصلي عربي سني من مدينة موصل العراقية ولكني اعيش في امريكا منذ سنين ولهذا لا اجيد الكلام بالعربية مثلك (فلو علم بانني من اصول كردية، لما كان يشعر بالارتياح معي). قال لي: أهلا وسهلا. سألته عن أحوال العرب في عكا. قال: مرتاحين والحمد لله. فقلت: متأكد من كلامك؟ قال: نعم، ماذا تقترح علينا؟ هل هناك مكان أفضل؟ هل نذهب إلى غزة مع حماس أو إلى الضفة وفساد السلطة أو سوريا؟ وادرج لي كل الدول الاقليمية التي تمر بأزمات. قلت له: لقد اصبتني بخيبة أمل من هذا الكلام. قال لي: اعتذر لکن هذه هي الحقيقة….هنا المعنى واضح

2) كره العرب والمسلمين لليهود معلوم ويمكن ملاحظته بسهولة فقط من متابعة القنوات العربية. لکن بعد زيارتي لاسرائيل لاحظت ان هذا الكره هو من جانب واحد. فاليهود شعب مسالم إلى أبعد الحدود. في ثلاثة مناسبات وفي ثلاثة أماكن مختلفة قمت بنقد العرب امام الاسرائيليين الذين التقيت بهم، والغاية كانت لمعرفة ردود أفعالهم، لأنني لست ضد العرب وأقرب اصدقائي لي هو من محافظة العمارة في جنوب العراق. على كل، جميع الإسرائيليين اليهود شعروا بعدم الارتياح من کلامي الخشن ضد العرب وحاولوا تغيير الموضوع أو التزمو بالصمت.

3) هناك جماعة عربية إسلامية في قرية ام الفحم الإسرائيلية اسمها الحركة الاسلامية. القرية مجاورة للضفة الغربية والحركة لا تعترف باسرائيل. حاولوا تمرير نشاطاتهم الى الضفة الغربية فمنعتهم السلطة الفلسطينية فرجعوا الى اسرائيل لان الدولة الاسرائيلية تسمح لهم بممارسة نشاطاتهم بكل حرية. 

4) سمعنا بأن اليهود الغربيون يعتبرون انفسهم اكثر شأننا من اليهود الشرقيين ولكن لم استطيع اثبات هذه الاشاعة. رئيس بلدية أورشليم، السيد موشي ليون، أصوله من مدينة البصرة بجنوب العراق، ومدينة أورشليم لا يستهان بها تاريخيا ودينيا وسياسيا على الصعيد الدولي. المجتمع الاسرائيلي متنور ومتنوع فهناك اليمينيون والوسط المعتدل واليساريون المعارضين للحكومة. وهذا شيء تفتقده أغلب الدول المسلمة….

5) أثناء وجودي في اسرائيل، اعتدى شاب فلسطيني على فتاة اسرائيلية: اغتصاب وقتل ثم التمثيل بالجثة. ولله الحمد، تمكنت الشرطة الاسرائيلية من إلقاء القبض على الارهابي وسينال جزاءه العادل، حسب القانون المدني المتطور والعصري، الذي كتبها البشر. مع ان هذا الخبر قد نشر وغطته وسائل الإعلام الاسرائيلي والدولي لکن الإعلام العربي صامت كالمعتاد. فلو قتل مواطن فلسطيني برصاص اسرائيلي، حتى وان كان الفلسطيني ينتمي لحماس، فسترى الاعلام العربي تتغطي الخبر وبشكل مضلل لتشويه سمعة اسرائيل.

بخصوص الحالة المعيشية في اسرائيل، لاحظت بأن الخدمات العامة كالكهرباء والماء والشوارع والخطوط السريعة وعلامات المرور وخدمات المواصلات وتنظيم ونظافة المدن، هية على نفس طراز ومستوى البنية التحتية في الدول الغربية وليس اقل ان لم تکن اعلی. وکذلك في مدينة حيفا وضواحي تل افيف، شاهدت شركات عالمية مثل: كوكل وانتل، أي ئي، الخ. والمدن الاسرائيلية اليهودية نظيفة لابعد الحدود. ذكرت لأحد معارفي هناك وقلت: انني منبهر جدا من نظافة مدنكم فما السبب فاجابني قائلا: يهمنا جدا أن يكون للمرأة دورا فعالا في ادارة البلدية لأن المرأة أكثر انتباها للنظافة والترتيب والجمال. الجواب يستحق الاحترام والاقتداء به….

الشعب اليهودي شعب كريم، تماما بعكس ما يشيع عنهم: بخيل وسيتقاتل من اجل المال. والمضحك ما واجهته أن اليهود أكثر سخاءا من الکثيرين من غيرهم من الشعوب. العرب في اغلب مدن العراقية معروفون بسخائهم. استطيع ان اجزم بان اليهود في اسرائيل يشبهون عرب العراق بسخائهم. وشاهدت ايضا، وللاسف الشديد، ان الاسعار في محلات الغير اليهودية اعلى من المحلات اليهودية خاصة مع الاجانب والسبب محاولة استغلال الاجانب والسواح.بعد اكمال زيارتي، اصطحبني صديق لي إلى محطة القطار ومررنا بساحة الرئيس رابين. فسألت صديقي: هل هذا هو المكان الذي تجمع فيه مئات الالاف الاسرائيلين تنديدا بمجزرة صبرا وشاتيلا؟ قال لي: نعم وضحك بصوت عالي. الموضوع خارج نطاق المقالة ولكنني متاکد بأن الكتائب اللبنانية مسؤولة عن تلك الجريمة وقاموا بالجريمة دون اعطاء اشارة لاسرائيل.

على أي حال، وصلت للمطار وبعد اكمال التسجيل لركوب الطائرة وتسليم حقيبة الشحن، دخلت المنطقة الامنية فصلوني عن بفية المسافرين. بعد فترة قصيرة من الانتطار، جائني ضابط وسألني عن اسمي وعندما تأكد له اسمي، اصطحبني إلى مكان التفتيش وهو يساعدني بحمل بعض من اغراضي. بدأ التفتيش وكان الضابط بمنتهى الدقة والتفصيل والتركيز في عمله. ومن حين الى حين، كان يأتيني وياخذ الاذن بأن اسمح له بفتح هذا وذاك لغرض التفتيش. عندما كان يفتش حقيبتي الشخصية وجد فيها ضرف يتحتوي على هدية كنت اقصد ان اهديها لاحد معارفي في تل افيف، حيث قال لي الضابط: يا سيدي، هذه العلبة تفوق الوزن القانوني فلا يمكنك أن تأخذها معك. فقلت له بأنها کانت هدية لصديقي وقد نسيتها في الحقيبة، وكنت اشعر بخيبة امل لعدم تمکني من تقديم الهدية لصديقي. فسألته ان كان بامكانه المساعدة لايجاد حل مناسب. في الحقيقة، افهم جيدا بأن الطلب غير واقعي، فالضابط الامني في المطار يطبق القانون والأوامر حرفيا وان كان العلبة تفوق الوزن القانوني فمصيرها سلة الزبالة على الأرجح، حيث هو المعتاد في المطارات أثناء السفر، فحل مشاكل المسافرين ليست من مسؤلياته. ولكن الجواب كان مفاجأ. فقد قال لي: اوكي سيدي، سأسال مديري وسأعلمك أن كان بالامكان ان اساعدك لإيجاد حل. المدير لم يوافق ولكنه إثبات علی نقاء وطيبة اليهود وبرهان على كل ما يفترون عنهم. لا تنسوا بانني مسلم والضابط يعلم ذلك لان مكان ولادتي مكتوب على جوازي الامريكي.

وفي النهاية، جائني الضابط وقال: يا سيد اميدي، لقد انتهينا من التفتيش، فبامكانك اخذ اغراضك والذهاب الى بوابة الطائرة. فقمت بترتيب اغراضي وعندما کان الضابط واقفا جنبي. دار حديث بيننا عن اسرائيل وامريكا، حيث قلت له بانني ارغب العيش في اسرائيل في حال اقتناع زوجتي بالرأي، فقال وبكل جدية: اذا اقنعت زوجتك يمكنك الهجرة الى هنا، اهلا وسهلا بكم…..

تعليقات