أسس حركة خلاص يهودية ثم اعتنق الإسلام – شبتاي تسفي

من كان شبتاي تسفي الذي تزعم حركة نهوض يهودية في القرن ال- 17 وما هي تداعيات حركته في أيامنا هذه

اوهاد مرلين

لو رجعتم نحو 350 عاما إلى الماضي، إلى أواسط القرن الـ17،  وزرتم الجاليات اليهودية في مختلف أنحاء المعمورة،  لوجدتم العالم اليهودي وهو يعيش حالة من الصحوة الروحية الكبيرة انتظارا لمجيء الخلاص الإلهي.

ففي تلك الأيام عاش رجل فريد سمي ب”شبتاي تسفي”،   نجح من خلال شخصيته الجذابة وخبرته في المصادر والكتابات اليهودية أن يكتسب شعبية كبيرة لدى اليهود في جميع أرجاء العالم، كما واستقطب إخلاص مئات الآلاف منهم الذين أُقتنعوا وبشكل تام بأنه يحمل فعلا رسالة خلاص إلهية خاصة، وأنه المسيح اليهودي المنتظر له آلاف السنوات.

لكن… كيف حصل ذلك؟ وما كانت نهاية تلك المغامرة؟ ومن هي المجموعة السرية التي لم تزل تعتبر نفسها من أتباع حركة شبتاي تسفي؟ في هذا المقال نتناول “الحركة الشبتائية”، التي تحتل حقبة مثيرة جدا للاهتمام في تاريخ الشعب اليهودي، والتي لا تزال تحمل في طياتها تداعيات دينية وثقافية ذات ثقل في أيامنا هذه.

البداية

حسب موقع “داعات: الموسوعة اليهودية” ولد شبتاي تسفي في مدينة إيزمير التركية في عشرينيات القرن الـ17، وبدأ دراساته الدينية في عمر 6 سنوات، حيث برز كطالب متفوق في علوم الدين اليهودي وأصبح على مر السنين خبيرا وضليعا في تلك العلوم في عمر صغير نسبيا.  ثم لما بلغ 15 من العمر تقدم وتعمق في تعاليم التصوف والباطنية اليهودية (ما يعرف ب”كابالا”)، حيث استنتج في دراساته أن الخلاص بمفهومه اليهودي سوف يأتي في أيامه.

والجدير بالذكر أنه بحسب العقيدة اليهودية، في يوم من الأيام سوف يأتي مخلص ذو رسالة إلهية من سلالة الملك داود يسمى ب”ماشياح” أو “مسيح” بالعربية ،(علما بأن اليهود لا يعتبرون عيسى بن مريم مسيحا )، ويحرر الشعب اليهودي من مضطهديه ويجمعه من الشتات إلى أرض الميعاد ويحكم عليه كملك.

وإثر انغماره  بدراسات الكابالا  توصل شبتاي تسفي إلى القناعة بأنه  “الماشياح” المنتظر، مقتبسا مصادر مختلفة من الكتاب المقدس والتلمود والكابالا لإثبات مزاعمه ولتبرير أعماله وأفكاره الاستثنائية، كما واجترف مجموعة من الاتباع المتحمسين، الذين وقروه وكرموه بسبب خبرته الكبيرة في الكتابات المقدسة للدين اليهودي.

التهجير وكسب الشعبية

إن إدعاءات شبتاي تسفي بأنه المسيح المنتظر له أدت إلى  مقاطعته من قبل الحاخامات اليهود في ايزمير وتهجيره مع اتباعه من المدينة، ثم من  مدن اخرى مر فيها مثل سيلانيك وإسطنبول  (القسطنطينية،)  لكن على الرغم من ذلك فإنه نجح في اكتساب شعبية كبيرة  في صفوف الشعب اليهودي في أوروبا والشرق الاوسط ، كما انه بدأ بإصدار فتاوى استثنائية تنص على إلغاء العديد من الشرائع اليهودية، مستندا إلى مقولات من التلمود حول تغييرات دينية شرعية ستحدث في أيام قدوم المسيح، هذا بالإضافة لطقوس غريبة أبدعها مثل طقس التزوج من سفر التوراة.

وفي العام 1664 وصل شبتاي تسفي إلى أورشليم حيث التقى بناتان هعزاتي (ناتان الغزي)، والذي اعتبر أنفسه نبيا ومعمدانا للمسيح، وأعلنا معا عن قدوم المسيح المنتظر له آلاف السنوات. وبعد ذلك سمح لتسفي أن يعود إلى إزمير حيث تجمع العديد من أنصاره. وفي إزمير استمر تسفي بطقوسه المبدعة الغريبة، بما فيها تنصيب أبرز متابعيه ملوكا في مناطق مختلفة من العالم، واستخدام اسم الرب المحرم نطقه حسب الشريعة اليهودية، والقيام بمسيرات فخرية اكراما له. وقد ذاع صيته لدى عشرات الآلاف من يهود العالم الذين تمنوا أنه المخلص الحقيقي، وباشروا يبيعون ممتلكاتهم لجيرانهم من غير اليهود تمهيدا للخلاص والعودة المعجزية إلى أرض الوطن. واندرجت حركة شبتاي تسفي في إطار موجة التطلعات للخلاص التي سادت جميع الديانات الموحدة، التي انتظرت مجيء المسيح خلال العام 1666 باعتباره عاما رمزيا.

نهاية المغامرة وتداعياتها الفكرية

وقد اثار اتساع رقعة حركة شبتاي تسفي وإعلانه أنه سيطيح بالسلطان العثماني محمد الرابع غضب السلطات العثمانية. وفي عام 1666 اعتقل تسفي وحكم عليه بالسجن في قلعة جليبولي، وبعد إمضائه فترة في السجن واجه تسفي خيارين أما اعتناق الديانة الإسلامية أو الإعدام بسبب التمرد على السلطان، واختار تسفي الخيار الأول حيث اعتنق الدين الإسلامي.

إن هذا الخيار أدى إلى أزمة وشقاق كبير في العالم اليهودي، حيث معظم اليهود قد خاب أملهم من تسفي لكنه كانت هناك قلة صغيرة لم تزل تؤمن بأن اعتناق تسفي للإسلام كانت له أسباب خفية تتعلق بعالم السر وانها خطوة في اطار المسيرة لتتويجه كالمخلص غير ان الغالبية العظمى من رجال الدين اليهود باتوا يعتبرونه دجالا. وقد عاد شبتاي تسفي الى إسطنبول عام 1672 حيث أدى الصلاة في كنيس يهودي مما حدا بالسلطات العثمانية الى اعادة اعتقاله بتهمة الردة عن الإسلام وحبسه في قلعة بولاية الجبل الأسود حيث توفي عام  1676.

والجدير بالذكر  أن هناك طائفة سرية صغيرة تسمى ب”دونما” لا يزال أبناؤها يعيشون في تركيا هذه الأيام ويعتبرون أنفسهم خلفاء الحركة الشبتائية، لكنهم يخفون انتمائهم إليها.

أما الزعماء الروحانيون اليهود الذين خاب أملهم في حركة شبتاي تسفي فقد شرعوا باضطهاد المنتمين إلى تلك الطائفة السرية، كما أنهم قرروا تقييد تعاليم الكابالا لمن تتجاوز أعمارهم الأربعين عاما. ويرى الباحثون أن تداعيات الحركة الشبتائية كانت من أبرز العناصر التي أدت إلى نهوض الحركة الحاسيدية وهي الحركة التي غيرت ملامح الديانة اليهودية تماما.

حقوق الصورة البارزة: ويكيبديا

تعليقات