شخصية من تاريخنا: راحيل أم الأمة اليهودية!

راحيل زوجة النبي يعقوب تعتبر أم اليهود والمرأة الأكثر تميزا من حيث أخلاقها وصفاتها التي وردت في التوارة. فما هي هذه الصفات ولماذا تعد الأبرز بين أمهات اليهود الأربع؟

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

شخصية مهمة جدا في الكتاب المقدس والتلمود والتقليد اليهودي عموما، تعد بمثابة أم الأمة اليهودية الرحيمة، إنها راحيل زوجة سيدنا يعقوب عليه السلام. وبالرغم من تحديد التقليد اليهودي لأربع أمهات  للأمة اليهودية (سارة وريفكاه وراحيل وليئاه عليهن السلام) فإن راحيل تعتبر أكبر وأبرز الأمهات، نظرا لشخصيتها المميزة الفريدة من نوعها والأخلاق واللطف الذي تميزت به.

قصة راحيل في الكتاب المقدس

جاء في التوراة (5 أسفار النبي موسى عليه السلام) أن سيدنا يعقوب التقى براحيل لأول مرة في أرض حران خلال هروبه من أخيه عيساف الذي تآمر عليه ليقتله. وفور وصوله إلى حران رأى يعقوب راحيل إلى جانب بئر محلية كانت مسدودة من خلال حجر كبير وثقيل. ووفقا الإصحاح الـ29 من سفر التكوين تمكن سيدنا يعقوب من إزاحة الحجر الكبير بمفرده بدون مساعدة الرعاة الآخرين، لشدة فرحه عندما رأى راحيل وتأثره بها. وتصف الإصحاحات التالية حبّ سيدنا يعقوب الكبير لراحيل وعمله لدى خاله “لافان” سبعة أعوام للتزوج منها. لكن لافان خدعه وأنكحه بنته الأولى، ليئاه، الأمر الذي أجبر سيدنا يعقوب على العمل سبعة أعوام أخرى من أجل التزوج من راحيل، وجاء في سفر التكوين:

فَخَدَمَ يَعْقُوبُ بِرَاحِيلَ سَبْعَ سِنِينٍ، وَكَانَتْ فِي عَيْنَيْهِ كَأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ بِسَبَبِ مَحَبَّتِهِ لَهَا.

وبعد كل ذلك كانت راحيل عاقرا بأمر الرب، لكن في نهاية المطاف وبعد عدة سنوات من اليأس أنجبت راحيل النبي يوسف.

ويذكر سفر التكوين أيضا أن راحيل سرقت أصنام أبيها لافان ثم نفت أنها عملت ذلك، وفي الإصحاح الـ35 جاء بأن راحيل قد ماتت خلال إنجابها لابنها الثاني والأخير بنيامين، في الطريق إلى بيت لحم، حيث يعتقد أن ضريح قبرها يوجد هناك حتى الآن. وكل تلك الحقائق معلومة في التقليد الإسلامي أيضا، بتأثير من اليهودية.

لكن ورغم موت راحيل في مرحلة مبكرة من الكتاب المقدس، فإن شخصيتها تظهر مرة أخرى بعد مئات السنين من وفاتها في كلام النبي إرمياء عليه السلام، الذي شهد نهاية أيام مملكة يهوذا الأولى والسبي البابلي، في القرن الـ6 قبل الميلاد:

هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: صَوْتٌ سُمِعَ فِي الرَّامَةِ، نَوْحٌ، بُكَاءٌ مُرٌّ. رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا، وَتَأْبَى أَنْ تَتَعَزَّى عَنْ أَوْلاَدِهَا لأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ. هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: امْنَعِي صَوْتَكِ عَنِ الْبُكَاءِ، وَعَيْنَيْكِ عَنِ الدُّمُوعِ، لأَنَّهُ يُوجَدُ جَزَاءٌ لِعَمَلِكِ، يَقُولُ الرَّبُّ. فَيَرْجِعُونَ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ. وَيُوجَدُ رَجَاءٌ لآخِرَتِكِ، يَقُولُ الرَّبُّ. فَيَرْجعُ الأَبْنَاءُ إِلَى تُخُمِهِمْ.

تشير تلك الآيات العاطفية الجميلة إلى وعد الرب بعودة بني صهيون إلى أرضهم بعد السبي القاسي الذي شهدوه مع دمار مملكة يهوذا واحتلالها من قبل البابليين. لكن لماذا اختار النبي إرمياء أن يستعمل اسم راحيل كرمز للأم الرحيمة الباكية التائقة لأبنائها؟ لنحاول أن نحل هذه المسألة بمساعدة الحاخامين الأوائل (حازال) في التقليد اليهودي.

في التقليد اليهودي

جاء في التلمود، ماسيخيت بابا باترا، 29: قال يعقوب لها (لراحيل): هل تريدين أن تتجوزي مني؟

فقالت له راحيل: نعم، لكن أبي رجل خداع وليس من البسيط القهر عليه.

قال لها يعقوب: فكيف يمكنه أن يخدعني؟

فقالت له راحيل: لدي أخت أكبر مني، ولم تتزوج بعد.

فوافق يعقوب وراحيل على إشارات معينة كي يعرف يعقوب أن راحيل هي التي تقف وراء حجاب العرس، ولئلا يتمكن لافان من خداعهما.

لكن راحيل فكرت في الأمر، وقالت لنفسها إن أختها الكبرى ليئاة ستشعر بالذل والإهانة بسبب زواج أختها الصغرى قبلها. فترحمت عليها، لذلك أخبرت راحيل ليئاة بتلك الإشارات التي اتفقت عليها مع يعقوب، ولم يتمكن يعقوب من كشف خدعة لافان حتى نهاية العرس.

إن تلك الفقرة والمأخوذة من التلمود تشرح رؤية الحاخامين الأوائل (حازال) في شخصية راحيل، والتي ضحت براحتها الشخصية وبفرحتها لأجل أختها الكبرى من كثرة رحمتها وحبها لها. وبالإضافة لكل ذلك يشرح “حازال” بأن راحيل قد سرقت أصنام أبيها لافان لإبعاده من الشرك الحرام المكروه مما يمثل طبقة إضافية من شخصيتها المربية والرحيمة. وأدت تلك الحقائق إلى اعتبار راحيل شخصية فريدة من نوعها فيما يخص النعمة والأخلاق والرحمة، لذلك ليس من المفاجئ أن النبي إرمياء اختارها لتمثيل شخصية الأم الباكية عن غياب أبنائها.

راحيل لدى المسلمين

يذكر كتَاب مسلمون أن راحيل كانت بالغة الصفاء والنقاء والذكاء وفائقة الجمال، متفوقة على أختها الكبرى ليا (ليئاه). ويذكر ويقول الإمام العلامة ابن حبان البستي في تفسيره الذي تناول فيه قصة سيدنا يعقوب، أن راحيل كانت عاقرا. لكنها كانت تريد أن تنجب مثل أختها الكبرى التي كانت هي أيضا زوجة سيدنا يعقوب. توسلت إلى الله وتضرعت إليه، فاستجاب لها فحملت وأنجبت سيدنا يوسف الذي كان مثل أمه وسيما وجميلا جدا وذكيا وأصبح نبيا فيما بعد مثل والده يعقوب. كما أجابت ولدا آخر هو بنيامين شقيق سيدنا يوسف. ويذكر ابن حبان أيضا أن راحيل كانت مثال الزوجة الوفية المخلصة والأم الحنون.

إن شخصية راحيل وتضحيتها لأجل الغير تعتبر بمثابة نموذج وقدوة لكل أبناء شعب إسرائيل، والذين بحمد الرب بدؤوا يعودون إلى أرضهم في العقود الأخيرة، فلا تبكي يا راحيل، أم الأمة الكريمة الرحيمة، فإنهم قادمون!

تعليقات