التراث الموسيقي ليهود المغرب

يا ترى، بما تتميز الثقافة الموسيقية ليهود المغرب؟ كيف كانوا يدمجون ما بين العبرية والعربية؟ كيف كانت العلاقات بين الموسيقيين اليهود ونظرائهم المسلمين فضلاً عن علاقاتهم مع السلاطنة حكام المغرب؟ وكيف يتمثل هذا التراث حاليًا؟ سوف نتطرق إلى هذه المسائل في التقرير التالي

يعكس التراث الموسيقي ليهود المغرب طيفًا واسعًا من الأساليب الموسيقية. إذ كان اليهود، وهم من أقدم مكونات التركيبة السكانية للمغرب، يحفظون عبر موسيقاهم آثار الحضارات المختلفة التي نشأت في هذا البلد وهي البربرية والشرق أوسطية القديمة والأندلسية. وكان اليهود يتأثرون من جهة، كونهم من سكان المناطق الداخلية من أراضي المغرب خاصة بجنوب البلاد وجبال الأطلس، بالثقافة الموسيقية البربرية؛ إلا أنهم تأثروا أيضًا، من جهة ثانية، بالموسيقى الأندلسية الكلاسيكية العائدة جذورها إلى عصور الحكم العربي الإسلامي لبعض الأراضي الإسبانية.

وعليه تتميز التقاليد الموسيقية اليهودية في المغرب بشدة تنوّعها لتشمل فيما تشمله ألحان الصلوات والأناشيد والموشحات باللهجة العربية- اليهودية بالإضافة إلى الأغاني “العلمانية” سواء أكانت مقدَّمة باللهجات اليهودية الدارجة أو بالعربية الفصحى يرافقها العزف على آلات موسيقية مختلفة.

دعونا نبدأ حديثنا بالتأكيد على الروابط الوثيقة التي كانت قائمة بين السكان اليهود والمسلمين في المغرب مما وجد تعبيرًا له في شتى ألوان الموسيقى. وكان الكثير من الموسيقيين اليهود يساهمون في تنمية التقاليد الموسيقية الأندلسية العريقة، لا بل كانت هناك حالة من المؤاخاة الفنية الخالصة بين رجال الموسيقى اليهود والمسلمين، حيث تدل على ذلك الفِرق الموسيقية المختلطة التي كانت تقدم أعمالها في بعض الأحيان باللغتيْن العبرية والعربية على السواء، علمًا بأن هذا الأسلوب الغنائي المتميز أطلِق عليه اسم “مطروز” وأصبح له حضور بارز خاصة ابتداءً من القرن الـ16 للميلاد. وكانت هناك فِرق يهودية تعزف أمام جمهور المسلمين فيما كانت هناك فرق مسلمة تقدم عروضها أمام اليهود. ومن الآلات التي كانت الفرق اليهودية تعتاد العزف عليها كل من الربابة والكمان والعود والدربكة.

وكانت سمعة الفرق الموسيقية اليهودية تمتدّ لتطال حتى بلاط السلاطين المغاربة. وعندما اعتلى السلطان محمد الخامس العرش عام 1927، حضر بنفسه عرضًا قدمته فرقة موسيقية يهودية في مدينة موكادور (الصويرة) التي كانت تنبض بالنشاط الموسيقي اليهودي. وعدا عن تلك المدينة كان هناك ما لا يقل عن 11 فرقة يهودية هامة في مختلف المدن المغربية، نذكر منها فرقة “الأربعة الكبيرة” بإدارة شموئيل بن هدان التي كانت تعمل في مدينة مراكش.

أضِف إلى كل ما تقدَّم الآلاف من الأغاني العبرية التي تم تأليفها في المغرب على مدى القرون الخمسة الماضية، علمًا بأن معظم هذه الأعمال الفنية ما زالت حتى الآن على شكل مخطوطات. وكان من ضمنها الأناشيد سواء مما كان غناؤه مألوفًا عند جلوس الناس إلى موائد الطعام خلال أيام السبت أو ما كان يُعتبر جزءًا من صلوات السبت والأعياد. ويشار إلى أن جزءًا كبيرًا من ألحان هذه الأناشيد كان مبنيًا على أرقى أنواع الموسيقى المغربية، ألا وهو النوبة الأندلسية التي كان منشأها ومركز ازدهارها الأندلس في الفترة ما بين القرنيْن 11-13 للميلاد.

ومن أشهر أنواع الغناء لدى يهود المغرب وأكثرها إثارةً “أناشيد الطلبات” وهي مجموعة من الأناشيد والأدعية التي كان جموع المصلين في الكُنس تغنيها قبل بدء صلاة الفجر اليهودية خاصة في أيام السبت والأعياد. ومن أبرز مضامين هذه الأناشيد التسبيح للرب جل جلاله وأناشيد خاصة بالسبت وأناشيد الشوق والحنين إلى أرض إسرائيل وغيرها. وفي عام 1921 صدرت في مراكش الطبعة الأولى لأهمّ مجموعة من “أناشيد الطلبات” بعنوان “نشيد الصداقة”، حيث كانت الأناشيد الواردة فيها مصنَّفة حسب فصول التوراة الجارية تلاوتها في أيام السبت، علمًا بأن أي فصل كان يختصّ بأناشيد معيَّنة.

وكان الشعراء اليهود في المغرب قد برعوا أيضًا في ابتكار أساليب موسيقية قائمة على القصيدة العربية الكلاسيكية المتميزة بتناغم الوزن والقافية. وكانت مضامين القصائد العبرية هذه دينية بامتياز. كما كان هناك نوع موسيقي آخر تميز به يهود المغرب ألا وهو “البرول” حيث كان يأتي عبارةً عن موشحات ذات إيقاع محدد تتمحور حول القضايا الشعرية العاطفية وأوصاف الحبيبة المعشوقة.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الأناشيد الدينية ليهود المغرب كانت تتجاوز اللغة العبرية وصولاً إلى تأليفها باللغة العربية- اليهودية، ناهيك عن بعض الأناشيد التي كانت تتكامل فيها اللغتان العبرية والعربية وكانت تتناول مواضيع متنوعة بدءاً من أغاني التسلية والهزل وانتهاءً بمراثي إحياء ذكرى يوم التاسع من آب لدى الشعب اليهودي (ذكرى خراب الهيكليْن المقدَّسيْن الأول والثاني) والتسبيح للخالق عز وجل وأناشيد الذمّ والمواعظ الأخلاقية.

وما زال جزء من التراث الموسيقي الخاص بيهود المغرب مرتبطًا حتى الآن بالحفلات والولائم التي كانت تقام سنويًا عند مقامات الأولياء والصدّيقين اليهود في المغرب، علمًا بأن عبادة هؤلاء الأولياء كانت شائعة ومحورية لدى يهود المغرب انطلاقًا من معتقداتهم الشعبية التي كانت تعتبر الولي شخصية تتوسّط بين الشعب والرب. وكان الرجال خلال هذه الحفلات يغنون الأناشيد سواء العبرية أو المختلطة ما بين العبرية والعربية- اليهودية (مطروز). أما غناء النساء في مناسبات إحياء ذكرى الأولياء فكان يقتصر على اللغة العربية ويتميز بإيقاعه السريع والهائج.

ومن الأهمية بمكان، في السياق ذاته، الإشارة إلى مشاركة النساء في شتى نواحي الحياة الموسيقية ليهود المغرب. وكانت النساء، كما سبق ذكره، يمارسن الغناء باللغة العربية أولاً متأثرات بالتقاليد الموسيقية للمسلمات. أما المواضيع التي كانت هذه الأغاني والأناشيد تتناولها فكانت تتنوع ما بين إحياء المناسبات الخاصة (تكريم المرأة بعد الولادة، تكريم الصبي الذكر لدى بلوغه سنّ الـ13 من العمر [حفل “البار ميتسفا” الموحي بالانتقال من الطفولة إلى البلوغ]، وإحياء الأعراس وما يقابلها من رثاء الأموات، فضلاً عن أغاني النوم للأطفال والأغاني الهادفة إلى تربية الأطفال وكذلك، كما سلف، الأغاني الخاصة بزيارة مقامات الأولياء.

وكان عيد الميمونة الخاص بيهود المغرب مناسبة أخرى تمثل فيها تراثهم الموسيقي الغني، علمًا بأن اليهود المنحدرين من أصول مغربية لا يزالون يحتفلون بهذه المناسبة بعد انتهاء عيد الفصح إشارةً إلى حلول فصل الربيع. وكان الغناء يحتلّ حيزًا هامًا من احتفالات الميمونة ليشمل مختلف الأنواع الغنائية والموسيقية المعهودة، ولا سيما الغناء الشعبي سريع الإيقاع المقدَّم باللهجة العربية- اليهودية وما يرافقه من ضرب الطبول والتصفيق، بالإضافة إلى الأناشيد الدينية التي ترافقها الآلات الوترية أو الفرق الموسيقية الكاملة.

ومن أبرز سمات تأثر التقاليد الموسيقية ليهود المغرب بالحداثة  عمل الفرقة الموسيقية الأندلسية الإسرائيلية المؤسسة أصلاً عام 1994 في مدينة أشدود. وتشمل الذخيرة الفنية للفرقة التقاليد القديمة العريقة للموسيقى الأندلسية، على أن يعزف بعض أعضائها على الآلات التقليدية فيما يعزف بعضهم الآخر على الآلات الغربية. وكان مؤسسو الفرقة يتطلعون إلى إحياء الثقافة الموسيقية المغاربية.

وكان التطلع نفسه الدافع وراء تكوين “فرقة الشمال الغربي” التي مضت أكثر من 20 عامًا على تأسيسها في جامعة حيفا لتضم في عضويتها مواليد المغرب أو مواليد البلاد المنحدرين من أصول مغربية، علمًا أن الفرقة تقدم أعمالها الغنائية باللغتيْن العبرية والعربية- اليهودية.

(يأتي التقرير ملخصًا لمقال كان الأستاذ أمنون شيلواح قد نشره ضمن سلسلة مؤلفات “المجتمعات اليهودية الشرقية إبان القرنين الـ19 و الـ20” الصادرة عن دار النشر التابعة لمؤسسة “ياد يتسحاق بن تسفي”)

 

 

تعليقات