النبوة في اليهودية والإسلام : ظاهرة روحانية وحلقة وصل بين الربّ والبشرية

في حين تتماثل النبوة في اليهودية والإسلام بالدعوة إلى توحيد الربّ نراها متباينة في تعريف هوية بعض الأنبياء الذين يرد ذكرهم في التوراة والقرآن

حصري لموقع المغرد/سمادار العاني

النبوة هي ظاهرة روحانية يستمد فيها الإنسان إلهامه من مصدر سماوي إلهي، يفضي إلى تغيير حالة الوعي وإلى استقراء الغموض الذي يكتنف واقع الكون واحداث المستقبل. يُعتبر مبدأ النبوة أحد أركان الديانة اليهودية الثلاثةَ عشرَ التي قام بصياغتها الرمبام (الحاخام موشيه بن ميمون)، ويقول هذا الركن: “إنّ كل ما قاله الأنبياء هو كلام حق، وإنّ نبوة سيّدنا موسى عليه السلام كانت حقيقيةً، حيث كان أبًا لجميع الأنبياء سواء الذين سبقوهُ أو الذين تابعوهُ”.

وتشير التوراة إلى الكثير من الأنبياء النشطين الذين كانوا بمثابة جسرا بين الربّ والبشرية، غير أنّ  الديانة اليهودية تُقرّ بعشرين نبيًا فقط وهم: موسى، صموئيل، إلياهو (الخضر)، إليسع، إشعياء، إرميا، حزقيال (ذو الكفل)، دانيال، هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونس، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، حجي، زكريا وملاخي.

يفسّر “حازال” (حاخاماتنا عليهم السلام) مقياس الاعتراف بهؤلاء الأنبياء منوط  بالارتقاء برسالاتهم فوق الزمان والمكان، خلافًا لرسالة باقي الأنبياء التي كانت سارية في ظروف موضوعية وفترة زمنية معيّنة.
إضافة إلى ذلك،  تُقرّ الديانة اليهودية، بوجود عدّة درجات للنبوءة، كما يقول الحاخام عيران بن يِشاي في موقع هيدافروت (التحاور): “تم كتابة أسفار التوراة ال-24 بدرجة روحانية مختلفة، حيث تحتل  الأسفار الخمسة الأُولى أعلى درجات النبوة لأنّه تم تأليفها من قبل سيّد الأنبياء كليم الله. أمّا  أسفار الأنبياء فتُعتبر نبوة محضة، وتأتي بعدها أسفار ال”كتوفيم” (أيّ الكُتُب) التي تم تأليفها تحت إلهام روح القدس” .

أنبياء إسرائيل – بوصلة الأخلاق

كانت ظاهرة النبوءة معروفةً في الشرق الأدنى القديم، غير أنّ أنبياء بني إسرائيل كانوا بمثابة ظاهرة خاصة  من حيث مضمون النبوءات وأثرها على الشعب اليهودي وعلى باقي شعوب الأرض. وخلافُا لأنبياء الشرق الأدنى القديم الذين عرضوا نبوءاتهم أمام الملوك فقط، فقد كانت رسالة أنبياء إسرائيل  موجهةً إلى الشعب بأكمله، لإصلاح مساره وتأنيبِهِ على سلوكه ونشر الهدى والدعوة للسراط المستقيم. نشط أنبياء إسرائيل خلال الفترة ما بين القرن العاشر والقرن السادس قبل الميلاد، وتبرز خصوصيتهم بالقيم الإنسانية التي وضعوها لخدمة العالم برمته.

ومن أبرز هذه القيم:  توحيد الربّ ونبذ الوثنيّة، العدالة الاجتماعية، كرم الأخلاق ومعاملة الإنسان أخيه الإنسان، والنبوءة بحلول السلام العالمي في أخر الزمان بين شعوب الأرض. وقد أصبحت هذه الأفكار الرائدة ثوابتًا في المسيحية والإسلام، ومصدرَ إلهام لأيديولوجيات مجتمعية علمانية، تهدف إلى إقامة مجتمع أفضل.

سلسلة الأنبياء في الإسلام

أما في الديانة الإسلامية فإن النبوة تشريفٌ سامٍ، وتكليفٌ شاقٌّ ومرموقٌ، ومنزلةٌ كُبرى، وفضلٌ عظيمٌ يهبه الله تعالى لمن ارتضاهم من عباده، قال تعالى : {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا} ( مريم : 58 )

ويُميّز الإسلام بين النبي والرسول كما يوضح الشيخ عمر سليمان الأشقر في كتابه الرسل والرسالات صفحة 15,14:
“والشائع عند العلماء أن الرسول أعم من النبي، فالرسول هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه ولم يؤمر بالبلاغ، وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسول”.

إنطلاقًا من هذه الرؤية، يَعتبر  الإسلام شخصيات كآدم، نوح، إبراهيم، الملك داؤود، الملك سليمان وغيرهم أنبياءً، في حين تعتبرهم التوراة أباء البشرية والأُمّة. كما يوجد في الإسلام أنبياء أخرين لا يتم ذكرهم في اليهودية والمسيحية كإدريس (المعروف في التوراة بالإسم حانوخ) وصالح (شيلاح التوراتي) وهود، أيّ عيفر التوراتي، الذي يُعتبر مؤسس سلالة العبرانيين.

نرى أيضا أنّ دانيال و إشعياء لا يتم ذكرهما في القرآن، فيما يذكر القرآن شخصيتي الخضر (إلياهو) وذي الكفل، لكن تختلف الآراء في الإسلام عن انتمائهما للأنبياء. وخلافًا للمكانة المهمة التي يتمتع بِها النبي إلياهو في التوراة، فإن أهميته تأتي مقتضبة في عدد من الآيات القرآنية تحت اللقب “الخضر”، بسبب قُدرته على إسقاط الأمطار. ويُركِّز القرآن على الصعوبات التي واجهها جميع الأنبياء بنشر رسالة الإيمان الحنيف، وعلى نجاحهم بهذه المهمة رغم العراقيل التي وقفت في طريقهم.

أولي العزم
ومن شواهد التفضيل بين الأنبياء في الإسلام تبوأ الرسل مكانة «أولي العزم»، وهي المكانة التي ارتقى اليها خمسة من الأنبياء، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد الذي يُعتبر “خاتم الأنبياء”.

في نهاية المطاف، تتلخص مهمة الأنبياء في اليهودية والإسلام برسالة واحدة تدعو إلى عبادة الله وحده بلا شريك، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. حسن السلوك والقيم الأخلاقية  أمست لاحقا عماد الخلق السليم في مجتمع صالح تسوده المحبة والوئام على الرغم من الإختلاف مع الغريب.  ولهذا فليس من  المستغرب أن تحولت النبوة إلى مصدر الهام لوثيقة الاستقلال في إسرائيل: “وتكون الدولة مستندة إلى دعائم الحرية والعدل والسلام، مستهديةً بنبوءات أنبياء إسرائيل”.


تعليقات