الأماكن المقدسة لليهود في بلاد الرافدين

بسبب التاريخ العريق ليهود بابل والعراق، نجد مواقع مقدسة لليهود في العراق، لا تزال قائمة حتى يومنا هذا

أوهاد مرلين

من المعلوم أن الحضور اليهودي في بلاد الرافدين يعود آلاف السنوات إلى الماضي وحتى القرن الـ6 قبل الميلاد على الأقل بعد طرد اليهود من مملكة يهوذا من قبل الملك البابلي نبوخذنصر. وتمثل الجالية اليهودية البابلية جزءً لا يتجزأ من تاريخ وحضارة الشعب اليهودي ككل، حيث ساندت شخصياتها البارزة على مر العصور بتطوير شرائع وأفكار الدين اليهودي وخاصة بعد دمار الهيكل الثاني (عام 70 للميلاد) وتهجير اليهود من البلاد في عصر الرومان – وهذا من خلال كبريات المؤلفات مثل التلمود البابلي وكتاب “المختار بالإيمانات والمعتقدات” للحاخام سعادية غاؤون (الفيومي).

وبسبب التاريخ العريق ليهود بابل والعراق، ليس من المفاجئ أن نجد مواقع مقدسة لليهود في العراق، لا تزال قائمة حتى يومنا هذا.

ضريح النبي حسقيل (حزقيل)

كان النبي حزقيل من أبرز الأنبياء الذين عاشوا في عصر دمار الهيكل الأول (القرن ال6 قبل الميلاد)، حيث تنبأ في بابل بعد الدمار، ليبلغ أبناء الشعب اليهودي المهجّر بنبؤات التعزية والتشجيع والأمل بمستقبل أفضل.

ويقع ضريحه في قرية الكفل العراقية، نحو 100 كيلومتر جنوبي بغداد، وتم بناؤه من الطوب والطين. وشمل القبر في الماضي بلاطا ضمنت آيات من سفر حزقيل من الكتاب المقدس، حيث تم نقلها إلى أرض إسرائيل في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي في إطار عملية سرية تخوفا من تعرضها للاذى واندثارها. ويتم عرض البلاط في أورشليم في معهد يد بن تسفي.

في الصورة: ضريح النبي حسقيل (حزقيل)، حقوق التصوير: ويكيمديا

اعتاد يهود العراق على اداء زيارات للمكان المقدس لمدة مئات السنوات، خاصة في أيام التوبة والاستغفار الواقعة عشية عيديْ رأس السنة والغفران اليهوديين.

وحتى العام 1948 كان هناك كنيس صغير، لكن تم  تدميره من قبل المحليين الذين طردوا اليهود من المكان. لكن ابتداء من العام 2007 تم ترميم الكنيس ووضعت حراسة عراقية محلية كما وساهدت الحكومة العراقية بتعمير المبنى.

ضريح عزرا الكاتب (العزير)

كان الكاتب عزرا من أبرز الشخصيات اليهودية في فترة العودة إلى صهيون (نهاية القرن ال6 قبل الميلاد) لقيادته النهضة الروحانية والقومية للشعب اليهودي في أرضه بعد سماح الملك الفارسي كوروش بعودة اليهود المهجرين إلى أرض الوطن.

ويقع ضريح الكاتب والقائد الروحاني في بلدة العزير العراقية، نحو 110 كيلومتر شمالي مدينة البصرة. والجدير بالذكر أن هناك خلافات حول مكان وفاة ودفن عزرا، حيث يقول البعض بأنه دفن في مدينة أورشليم.

في الصورة: ضريح عزرا الكاتب (العزير)، حقوق التصوير: ويكيمديا

وكان اليهود يحجون إلى المكان في فترة الربيع وخاصة للاحتفال بعيد شافوعوت (عيد نزول التوراة) في تماهِ مع شخصية عزرا الذي شجع الشعب إلى العودة للقوانين الشرعية الإلهية في فترة العودة إلى صهيون. تجد في مقام الضريح كتابات عبرية على البلاط والخشب الموجودة في المكان. وبعد رحيل يهود العراق مطلع الخمسينيات  يحافظ المسلمون الشيعة على الضريح كما يعتبرونه مكانا مقدسا لهم أيضا.

كنيس “شاف في يتيف”

حسب التقليد اليهودي المذكور في التلمود، هناك في العراق مبنى خاص جدا تم جلبه من أرض إسرائيل قبل آلاف السنوات. ويسمى هذا المبنى كنيس “شاف في يتيف” أي  “المدمر والمبنى”، وحسب التلمود هذا المبنى موجود في مدينة نهاردعا القديمة والتي تعرف اليوم ب”الأنبار” القريبة من بغداد. وعلقت الجالية اليهودية في بابل أهمية على هذا المبنى، حيث جاء في التلمود بأنه مقدس جدا كونه يتسم بنوع من الحضور الإلهي، وورد وصف المبنى في عدة كتابات من بداية القرون الوسطى.

في الصورة: الكنيس الكبير في مدينة بغداد، حقوق التصوير: ويكيمديا

وفي القرون الأخيرة نسبت الجالية اليهودية اسم هذا الكنيس العتيق إلى الكنيس الكبير في مدينة بغداد، حيث آمنوا بأنه تم تأسيسه من قبل الملك اليهودي يخونيا الذي هجر إلى العراق من قبل نبوخذ ناصر. واليوم تحول الكنيس إلى متحف إعيد بناء الكنيس داخله.

يعتبر العراقيون الحفاظ على الكنس والمواقع المقدسة لليهود في بلاد الرافدين دليلا مهما على الترحيب بتعدد الديانات في البلاد، كما يعتبرون يهود العراق جزء من المكون الإثني. ولا شك ان الالوف من اليهود يتمنون زيارة العتبات المقدسة عندما تسنح الفرصة وتتصافى القلوب.

تعليقات