يوم السبت بين المدلولات الدينية والإجتماعية!

يوم السبت، شبات بالعبرية، مقدس عند اليهود وله طقوسه الخاصة. لماذا تم اختيار هذا اليوم دون غيره وما هي اوجه الشبه والإختلاف بينه وبين يوم الجمعة لدى المسلمين؟

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَكُلُّ جُنْدِهَا. وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا.

هذه الآيات الجميلة من سفر التكوين (الإصحاح الثاني) تشرح السبب الأساسي لإحياء ذكرى السبت، فحسب الديانة اليهودية (وكذلك المسيحية)، هو الرب عز وجل نفسه! حيث استراح في اليوم السابع بعد انتهائه من الخلق. لذا يجب على الانسان أيضا أن يقف عن العمل ويستريح في اليوم السابع.

كما جاء في سفر الخروج 20 في إطار الوصايا العشر:

ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك. لا تصنع عملا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك. لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، واستراح في اليوم السابع. لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه.

وذُكر في نفس السفر الإصحاح الـ 35:

سِتَّةَ أَيَّامٍ يُعْمَلُ عَمَلٌ، وَأَمَّا الْيَوْمُ الْسَّابِعُ فَفِيهِ يَكُونُ لَكُمْ سَبْتُ عُطْلَةٍ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ.

تقديس يوم خلق الإنسان

ومن ذلك نستنتج أن يوم السبت “الشبات” (معناها بالعبرية التوقف) يحمل في طياته معنيين: أولهما المعنى الاجتماعي، وهو إعطاء فرصة الاستراحة للعاملين وحتى للحيوانات، أما المعنى الثاني فهو ديني يرى في السبت يوما مقدسا للرب.

في الكنس تتم قراءة فقرة معينة من التوراة تسمى بـ "فقرة الأسبوع"

في الكنس تتم قراءة فقرة معينة من التوراة تسمى بـ “فقرة الأسبوع”

وجدير بالذكر أن فكرة “الشبات” الاجتماعية مثلت على مر العصور نموذجا استلهمت منه الإنسانية، ففي أيامنا أصبح إعطاء فرصة الاستراحة للعمال في أحد أيام الأسبوع واجبا قانونيا في جميع دول العالم. وبالرغم من الفرق بين الأغراض والأهداف، يمكن مقارنة قداسة يوم السبت لدى اليهود بقداسة يوم الجمعة لدى المسلمين، إذ جاء في القرآن سورة الجمعة:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ”…

لكن الإسلام لا يرى في يوم الجمعة يوما للاستراحة بل يوما مقدسا للصلاة. وتجدر الإشارة إلى أن كلا من اليهودية والإسلام يرى في يوم الجمعة يوم خلق الانسان، لذلك فإن لهذا اليوم أهمية خاصة لدى الديانتين.

سر الشبات

علمنا الحاخامون الأوائل (حازال) أن تحريم العمل، المذكور أعلاه يشمل 39 فعلا تم القيام بها في إطار بناء الـ “مشكان” (الهيكل المتنقل الذي حمله بنو إسرائيل في الصحراء) منها: إشعال النار والكتابة والطبخ والبناء والخ. وحرمت الشريعة اليهودية (الهلاخاه) هذه الأفعال وما شابهها، لذا يحرم مثلا إنارة وإطفاء المصابيح وقيادة السيارة واستخدام النقود. وتحمل هذه التحريمات معنى مهما جدا وخاصة في أيامنا هذه، فبدلا من ملاحقة الأعمال والأموال يكرس اليهود يوم السبت لأشياء وأمور مهمة مثل العائلة والصداقة والصلاة.

ويقول المفكر اليهودي البارز “أفراهام يهوشوع هيشل” إن قيام الشبات يشبه بناء “هيكل في الزمان”. ووفقا لكتابه الشهير “السبت”، فإن العمارات الجسدية تزال والناس يموتون، لكن التمسك بالزمان الأبدي وإنشاء الأبنية الروحانية على أسسه توفر للأمة الوعد بالحياة الخالدة المستدامة بين الأجيال، وهذا هو سر الشبات وسر أبدية الشعب اليهودي.

1200px-shabbat_challos

رغيفان من خبز الـ “حالاه” يمثلان الأوامر الإلهية بشأن السبت

طقوس خاصة وتقرب من الرب

تفتتح الأم طقوس السبت بإشعال عدة شموع وتلاوة “براخا” (البركة) الدعاء الخاص بقداسة السبت، كما تتلو صلاة قصيرة لصالح أبنائها. ويشمل السبت واجب مدّ ثلاث موائد احتفالية بمشاركة العائلة كلها. وتفتح هذه الموائد طقس الـ “كيدوش” أي “التقديس” والذي يتلو خلاله الأب آيات من الكتاب المقدس تخص أهمية الشبات، بالإضافة لتلاوة الـ “براخا” اي البركة عن النبيذ والأكل. ويوضع على المائدة رغيفان من خبز الـ “حالاه” يمثلان الأوامر الإلهية بشأن السبت، بالإضافة لتمثيلهما للمن والسلوى اللذين كان بنو إسرائيل يأكلون منهما في الصحراء.

وخلال الطعام يدور الحديث حول تجارب أبناء العائلة خلال الأسبوع، وحول فقرة التوراة التي يتم قراءتها خلال صلوات السبت وتفسيرها، كما تشمل طقوس المائدة ترانيم دينية خاصة بالشبات.

وجدير بالذكر أنه خلال أيام السبت يصلي اليهود 4 صلوات، بدلا من الصلوات الثلاث العادية في أيام الأسبوع الأخرى. وتسمى الصلاة الإضافية بـ “موساف” أي “المضافة” إحياء لذكرى القربان الإضافي الذي كان الكهنة يقدمونه للرب في أيام السبت والأعياد في الهيكل في أورشليم. وفي الكنس تتم قراءة فقرة معينة من التوراة تسمى بـ “باراشات هاشافواع” أي “فقرة الأسبوع” بدورة تستغرق سنة كاملة أي 52 أسبوعا.

وهذا التقديس لليوم السابع من الأسبوع السبت في اليهودية والجمعة في الإسلام، هو الآخر أمر مشترك بين الديانتين ويسعى من خلال هذا اليوم المقدس اليهود والمسلمون إلى عبادة الرب والتقرب منه ونيل رضاه.

حقوق الصورة البارزة: ويكيمديا Olaf.herfurth

تعليقات