لماذا يرتدي اليهود الملابس البيضاء خلال عيد الغفران؟

وفقا للدين أو الشريعة اليهودية (الهلاخا) فإن ارتداء الملابس البيضاء يعتبر مجرد تقليد وليس فريضة، لكنه أصبح على مر العصور شبه واجب بسبب كثرة تقدير المصلين اليهود لهذه القيم من الطهارة والبساطة والترائي كالملائكة وإحياء ذكرى الماضي

أوهاد مرلين

المقدمة: عيد الغفران ووصاياه ومصادره

وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: أَمَّا الْعَاشِرُ مِنْ هذَا الشَّهْرِ السَّابعِ، فَهُوَ يَوْمُ الْكَفَّارَةِ. مَحْفَلاً مُقَدَّسًا يَكُونُ لَكُمْ. تُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ وَتُقَرِّبُونَ وَقُودًا لِلرَّبِّ. عَمَلاً مَا لاَ تَعْمَلُوا فِي هذَا الْيَوْمِ عَيْنِهِ، لأَنَّهُ يَوْمُ كَفَّارَةٍ لِلتَّكْفِيرِ عَنْكُمْ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ. إِنَّ كُلَّ نَفْسٍ لاَ تَتَذَلَّلُ فِي هذَا الْيَوْمِ عَيْنِهِ تُقْطَعُ مِنْ شَعْبِهَا. وَكُلَّ نَفْسٍ تَعْمَلُ عَمَلاً مَا فِي هذَا الْيَوْمِ عَيْنِهِ أُبِيدُ تِلْكَ النَّفْسَ مِنْ شَعْبِهَا. عَمَلاً مَا لاَ تَعْمَلُوا. فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِكُمْ فِي جَمِيعِ مَسَاكِنِكُمْ. إِنَّهُ سَبْتُ عُطْلَةٍ لَكُمْ، فَتُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ. فِي تَاسِعِ الشَّهْرِ عِنْدَ الْمَسَاءِ. مِنَ الْمَسَاءِ إِلَى الْمَسَاءِ تَسْبِتُونَ سَبْتَكُمْ. (سفر اللاويينن الإصحاح الـ 23)

تصف هذه الآيات من الكتاب المقدس أقدس وأهم أيام السنة في التقويم اليهودي وهو “يوم هاكيبوريم” أو يوم الكفارة ،عيد الغفران، والذي يحل هذا الأسبوع. ويحمل اليوم المقدس في طياته خمسة تحريمات، هي تناول الطعام، وتناول المشروبات، والإستحمام، وممارسة العلاقات الجنسية، وارتداء الملابس الجلدية. ويبدأ العمل بتلك التحريمات مع غروب الشمس في اليوم التاسع من شهر تشري (أول أشهر التقويم العبري) وينتهي بعد غروب الشمس في اليوم التالي، حيث يستغرق نحو 25 ساعة. وإضافة لكل ذلك يتميز عيد الغفران بعدة فرائض إضافية مثل أداء خمس صلوات، بدلا من الصلوات الثلاث في الأيام العادية والصلوات الأربع في الأعياد وأيام السبت، كما هناك واجب السجود خلال الصلاة، خلافا لتحريمه في الصلوات العادية.

وبالرغم من الاعتقاد السائد لدى المسلمين بأن اليهود يصومون في هذا اليوم احتفالا بالمعجزات التي صنعها الرب لصالحهم ضد أعدائهم، فإن صوم عيد الغفران، مثل باقي أيام الصيام في اليهودية، لا يأتي للتعبير عن البهجة بل بالعكس – إنه يمثل يوما مكرسا للاستبطان وحساب النفس وفحص التصرفات الذاتية تمنيا بالإستغفار. كما فسر الحاخامات الأوائل ما جاء في الكتاب المقدس، من ان يوم الغفران كان اليوم الذي غفر فيه الرب لبني إسرائيل خطيئة العجل بعد توسل النبي موسى عليه السلام.

اللون الأبيض: رمز الطهارة والبساطة والملائكة

ومن التقاليد التي تميز عيد الغفران – ارتداء الملابس البيضاء خلال الصلوات وخلال العيد كله. وإضافة للقميص والسراويل الأبيضين والطاقية التقليدية (ال”كيباه”) البيضاء، يرتدي بعض اليهود الأشكنازيم (من أصول أوروبية) خلال عيد الغفران وعيد رأس السنة عباءة تقليدية بيضاء، تسمى ب”كيتل”. ويفسر البعض ارتداء الكيتل بلونها الأبيض بأنها تشكل رمزا للملائكة (الذين لا يأكلون ولا يشربون على غرار التحريمات السالف ذكرها)، أو بأنها تشير إلى الطهارة، أو بأنها تذكر الكفن مما يشجع المصلين على التوبة خوفا من الموت ومن يوم الدين. والمثير للإهتمام أن بعض اليهود يرتدون الكيتل أيضا خلال طقوس حفل الزواج إشارة أيضا إلى الطهارة في ذلك اليوم المهم.

وتشير الملابس البيضاء أيضا إلى ميزة أخرى جاءت في الكتاب المقدس:

وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: كَلِّمْ هَارُونَ أَخَاكَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى الْقُدْسِ دَاخِلَ الْحِجَابِ أَمَامَ الْغِطَاءِ الَّذِي عَلَى التَّابُوتِ لِئَلاَّ يَمُوتَ، لأَنِّي فِي السَّحَابِ أَتَرَاءَى عَلَى الْغِطَاءِ. بِهذَا يَدْخُلُ هَارُونُ إِلَى الْقُدْسِ: بِثَوْرِ ابْنِ بَقَرٍ لِذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ، وَكَبْشٍ لِمُحْرَقَةٍ. يَلْبَسُ قَمِيصَ كَتَّانٍ مُقَدَّسًا، وَتَكُونُ سَرَاوِيلُ كَتَّانٍ عَلَى جَسَدِهِ، وَيَتَنَطَّقُ بِمِنْطَقَةِ كَتَّانٍ، وَيَتَعَمَّمُ بِعِمَامَةِ كَتَّانٍ. إِنَّهَا ثِيَابٌ مُقَدَّسَةٌ. فَيَرْحَضُ جَسَدَهُ بِمَاءٍ وَيَلْبَسُهَا.

تصف هذه الآيات إرشادات العبادة للكاهن الأكبر خلال عيد الغفران في الهيكل. وكان النبي هارون عليه السلام يشغل منصب “كوهين جادول” أي الكاهن الأكبر في “المشكان” (الهيكل المتنقل الذي نقله بني إسرائيل في الصحراء)، ثم شغل ابناء سلالاته نفس المنصب خلال مئات السنوات من قيام الهيكل في أورشليم. وخلافا للملابس الفاخرة البهية المصنوعة من الذهب والفضة والجواهر والأنسجة الملونة التي كان الكاهن الأكبر يرتديها خلال ايام السنة، ففي عيد الغفران تم الإيعاز الى النبي هارون وسلالاته بارتداء الملابس البيضاء البسيطة المصنوعة من الكتان، لتعبر عن تواضعه امام الرب في أقدس أيام التقويم اليهودي. وتشير الملابس البيضاء التي يرتديها اليهود خلال عيد الغفران إلى الخضوع لوصايا الرب والاستكانة، كما أنها تحيي ذكرى الهيكلين المدمرين في الوقت ذاته. والجدير بالذكر أن وفقا للدين أو الشريعة اليهودية (الهلاخا) فإن ارتداء الملابس البيضاء يعتبر مجرد تقليد وليس فريضة، لكنه أصبح على مر العصور شبه واجب بسبب كثرة تقدير المصلين اليهود لهذه القيم من الطهارة والبساطة والترائي كالملائكة وإحياء ذكرى الماضي.

ونتمنى للجميع صوما مقبولا وذنبا مغفورا ان شاء الله!

تصوير: مارك نيمان، مكتب الصحافة الحكومي

تعليقات