تواصل على المستوى الشعبي بين العراق واسرائيل

انتشار شبكات التواصل الاجتماعي في العصر الرقمي ساهم في اجتياز الحدود والتعرف على الآخر وهذا ما نلمسه بالذات لدى العديد من الشبان العراقيين المثقفين, مما زاد اهتمامهم بيهود العراق وانفتاحهم تجاه دولة إسرائيل. هذا التغيير يعكس الحنين لعراق أكثر تسامحا إلى جانب نظرة اكثر واقعية للتطورات السياسية 

سمادار العاني / حصري لموقع المغرد

“جدتي كانت تحكي لي عن جارتها اليهودية التي كانت معها في السراء والضراء, ولما كانت تحكي عنها كانت الدموع تذرف من عينيها” وفي الذكرى ال75 للفرهود اضاف “ع”: “لا شك أن الفرهود هو وصمة عار في تأريخ العراق” – بهذه التعابير تواصل معي شاب عراقي في الثلاثينات, تعرفت عليه من خلال نشاطاتي بالفيسبوك ضمن مجموعة “الحفاظ على اللهجة العراقية“.

“ع” ليس الشاب الوحيد الذي يسعى الى التواصل مع يهود عراقيين بناء على حكايات الأباء والأجداد عن يهود العراق وعن مساهمتهم لبناء العراق الحديث ووفائهم له. في بداية الخمسينات تم اسقاط الجنسية العراقية عن اليهود مما افضى الى تقلص هذا المكون العريق من 135 الف الى بضعة الآف في العراق. وفي عهد البعث تجدد الاضطهاد والمضايقات واعمال البطش، مما اودى بحياة عشرات اليهود العراقيين فيما فر الالف المتبقين. ولا يوجد حاليا سوى بضعة يهود، لا يتجاوز عددهم اصابع اليد الواحدة. تعج المواقع الالكترونية بصداقات بين ابناء يهود الشتات العراقي في اسرائيل وبين الكثير من الشبان العراقيين الذين يبدون رغبتهم بفتح حوار بناء مع يهود العراق ويوجهون اليهم الدعوات للزيارة والتمنيات بعودة الامور الى ما كانت عليه في السابق في وقت يئن فيه العراق من جروح المحاصصة والتسييس.

ما هو العامل الذي قاد نحو هذا التغيير في وجهة نظر هؤلاء الشبان العراقيين؟

لا شك أنّ مواقع التواصل الجتماعي خلقت واقعا جديدا لدى هؤلاء الشبان، اكتشفوا من خلاله معلومات قيّمة ومدهشة عن دولة اسرائيل وعن الشعب اليهودي, كانت المؤسسات التعليمية بالدول العربية تخفيها عنهم، بالوقت الذي كان الاعلام العربي الرسمي يقوم بتشويه الحقائق خدمة للخطاب الرسمي.

وهناك سبب أخر يشرحه “أ”، شاب عراقي من محافظة ميسان قائلا: “الوجود اليهودي بالعراق هو رمز لعراق كانت تسود فيه أجواء التعايش والتسامح والاخوة بين أتباع كل الديانات والمذاهب تحت راية الدولة الواحدة. بعد الظلم الذي لحق باليهود ومغادرتهم العراق، فقد الشعب العراقي أحد  أهمّ مكوّناته. ومن هذه النقطة، بدأ هذا الشعب يذوق الويلات، ناهيك عن تفتيت الوحدة الوطنية والمس بالمكوّنات الاخرى كالمسيحيين واليزيديين”. وبعبارة اخرى، ان تحليل مسار الاقليات، بات امرا ضروريا لتفهم الهوية العراقية ومميزاتها والسبيل للحيلولة دون تكرار هذه المآسي التي مست في نهاية المطاف ليس بالتعددية فحسب بل بالأغلبية كذلك!

ولكن النقطة الاكثر إثارة للدهشة هي التغيير الذي طرأ لدى هؤلاء الشبان بمواقفهم تجاه دولة اسرائيل. يقول “ع” بهذا الخصوص: “هناك نزاع فلسطيني-اسرائيلي منذ عشرات السنين, ولكن اليوم هناك شباب يتساءلون: ما هي علاقتنا كعراقيين بهذا النزاع؟ أليست للعراق مشاكل اكثر صعوبة وتعقيدا من هذا النزاع؟”

ويضيف شاب ثالث “ج”: “اسرائيل من ناحيتي هي أمر واقع، ولن أبعث ابني الى ساحة القتال لمحاولة تغيير هذا الواقع. اسرائيل اثبتت نجاحا باهرا خلال أقلّ من سبعة عقود، والتعاون معها ممكن يحوّل الشرق الأوسط الى جنّة”.

من خلال هذه المواقف لاحظت الصراحة والانفتاح لدى هؤلاء الشبان؛ لا أستطيع أن أقول إنّ هناك تطابقا كاملا بوجهات النظر بينهم وبيني كإسرائيلية اهلها من الشتات العراقي، ولكن بالتأكيد هناك ثقة، مودّة صادقة واحترام متبادل.

الرسالة الأكثر أهمية من هذا الحوار البناء تتعلق بحياتنا في هذه المنطقة المعقدة: الشرق الأوسط هو حديقة غناء تزينها أنواع الورود. محاولة اقتلاع هذه الوردة أو تلك تمس بالحديقة بأسرها, وتؤدي الى فقدان جمالها وخصوصيتها، والحديقة شاسعة وفيها متسعا من المكانٌ للجميع.

تعليقات