عيد نزول التوراة يمهد لصحوة في حركة التعليم للنصوص القديمة بإسرائيل

قامت في السنوات الأخيرة مختلف الأطر العلمانية الى جانب الدينية التي تعنى بتفاسير عصرية للتوراة من خلال مدارس متنوعة تفسح المجال للتواصل بين المعاصر والقديم وتلقى لها صدى متناميا في اوساط اليهود في إسرائيل والخارج

أوهاد مرلين

يحتفل الشعب اليهودي في اليوم السادس من شهر “سيفان” بعيد “شافوعوت” (بالعبرية: الأسابيع) إحياء لذكرى نزول التوراة في جبل سيناء على يد سيدنا النبي موسى عليه السلام.

وجاءت تسميته بعيد الأسابيع الى حقيقة مرور 7 أسابيع تماما من موعد خروج بني إسرائيل من مصر. لكن العيد يحتفي ايضا بمدلولات ثمرة الارض والموسم الزراعي.  تتركز احتفالات العيد بنزول التوراة بالتحديد، حيث يبقى المحتفلون مستيقيظين خلال ليلة العيد، مكرسين إياها لتعليم التوراة على كافة أشكالها، من الكتاب المقدس والتلمود ومصادر أخرى في مختلف المواضيع الدينية منها الإيمان (“إيموناه”) والشريعة (“هلاخا”) والخ.

وبمناسبة هذا العيد الذي يتناول تعليم التوراة، وهي نواة الهوية والديانة اليهودية على مر العصور، نعرفكم على المؤسسات الدينية لتعليم التوراة وبالعبرية “بيت هامدراش”.

“بيت مدراش” و”يشيفاه”: المدارس المحلية اليهودية لتعليم التوراة

قال الحاخام يهودا، نقلا عن الحاخام راف: ليكن اسم يهوشوع بن غاملا مباركا، فلولاه لكانت التوراة منسية لدى شعب إسرائيل. ففي البداية كان الآباء يعلمون أبناءهم التوراة، لكن الأيتام لم يكن هناك من يعلمهم، لذا قرر الحاخامون تعيين معلمين في أورشليم ليتحقق ما كتب في سفر إشعياء:

“لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ”..

وبالرغم من ذلك لم يأت الأيتام إلى أورشليم لتعلم التوراة بسبب الأعباء الاقتصادية، حتى جاء يهوشوع بن غاملا وعين معلمين للأطفال في كل مدينة، وهكذا بدأ الأطفال دراستهم لما كانت اعمارهم تتراوح بين 6 -7 سنوات… (كتاب ببا بترا 21)

هذه الفقرة من التلمود تشرح تاريخ تأسس المدارس المحلية لدى الشعب اليهودي. ويسمى معهد تعليم التوراة بشكل عام “يشيفاه” ومعناها “جلوس” بالعربية ومصدرها العبري “يشف” اي  “جلس” بالعربية . أما المبنى الذي يحتضن التعليم الرئيسي فيسمى ـ”بيت مدراش” أي: “دار طلب (العلم)”. وجدير بالذكر أن عبارة “بيت مدراش” أصبحت على مر السنوات ولأسباب واضحة مصطلحا مرادفا لكل مذهب ديني.

[معهد تعليم التوراة “يشيفاه” ومعناها “جلوس” بالعربية. تصوير: ويكيمديا]

 

من الواضح أن وجهة يهوشوع بن غاملا، السالف ذكره، تتوخى إتاحة تعليم التوراة لكل يهودي راغب بتعليمها، طبقا للإشارة اليها في التلمود في كتاب كيدوشين 66:

“إن التوراة موضوعة في الزاوية وكل من أرادها فليتقدم ويأخذ منها “!

كما تتماشى هذه المقولة مع كلام النبي موسى عليه السلام في سفر التثنية 30:

إِنَّ هذِهِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ لَيْسَتْ عَسِرَةً عَلَيْكَ وَلاَ بَعِيدَةً مِنْكَ. لَيْسَتْ هِيَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى تَقُولَ: مَنْ يَصْعَدُ لأَجْلِنَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَأْخُذُهَا لَنَا وَيُسْمِعُنَا إِيَّاهَا لِنَعْمَلَ بِهَا؟ …بَلِ الْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ جِدًّا، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ لِتَعْمَلَ بِهَا.

وتعبر هذه المصادر عن رؤية مدرسة مهمة من الحاخامين عبر التاريخ ترى ضرورة  تشجيع الشعب برمته على تبوأ مكانة فعالة في دراسة التوراة وتطوير الفكرة الدينية – ما دام الانسان يتمسك بالتواضع تجاه الرب ويحترم الأجيال السابقة.

انفتاح ديني في بيت مدراش عصري

على هذه الخلفية، فإنه ليس من المفاجئ أن تشهد دولة إسرائيل خصوصا والجاليات اليهودية عموما في الآونة الأخيرة صحوة كبيرة في مجال تعليم التوراة، مع إقامة نماذج حديثة لل”بيت هامدراش” التقليدي.

وتشمل هذه الصحوة إقامة مؤسسات علمانية لتعليم التوراة، تشجع حتى غير المتدينين للتعرف على هويتهم ومصادر إيمان شعبهم، بالرغم من عدم التزامهم بالشريعة اليهودية (الهلاخا) نفسها وبحذافيرها. ومن أبرز المعاهد الجديدة بيت مدراش “علما” (“عالم” بالآرامية) الواقع في وسط تل أبيب، والتي تعتبر من أهم المراكز العلمانية في إسرائيل. وأقيم هذا المدراش عام 1996 على يد عضوة الكنيست السابقة الدكتور روت كالدرون، ويصف هذا المركز الروحاني غير الديني نفسه بمركز يوفر طريقة جديدة لتعليم الثقافة العبرية من خلال البحث التأملي بقضايا الهوية والتعرف على كنوز الثقافة العبرية. والمميز في هذا المدراش مشاركة شخصيات إسرائيلية بارزة من مختلف الأطيف العلمانية فمنهم الفنانون والسياسيون والأدباء.

[بيت مدراش – المبنى الذي يحتضن التعليم الرئيسي. تصوير: ميخائيلي، ويكيمديا]

 

وفي هذا السياق أقيمت في إسرائيل في العقود الأخيرة عشرات المعاهد االتي تعد الشباب الراغبين بتعميق دراسة هويتهم وحضارتهم وثقافتهم وتوسيع آفاقهم  في نهاية دراستهم الإعدادية قبل الخدمة العسكرية. وتشمل هذه المؤسسات أيضا بيت مدراش يدمج علوم الثقافة العبرية القديمة والفلسفة وحتى مفكري اليهودية والصهيونية من أيامنا هنا.تجدر الغشارة ان المشاركين ينتمون الى مختلف المذاهب الدينية الى جانب العلمانيين وهي مساحة التقاء مع الآخر والتعايش معه.

وفي عيد شافوعوت تنظم هذه المؤسسات حلقات دراسية خاصة تشمل الحلقات الدراسية  والمحاضرات والمنتديات الدراسية تتناول مواضيع عديدة تخص الهوية اليهودية وتحديات العصر التي يواجهها الإسرائيليون في حياتهم اليومية.

تمثل هذه العودة للأصول ظاهرة مباركة جدا تدعم من قبل الجمهور والحكومة على حد سواء، فما أجمل الرجوع إلى مصادر الثقافة القديمة وربطها بالحياة اليومية الحديثة!

حقوق تصوير الصورة البارزة: Roylindman via Wikimedia Commons

تعليقات