الأعياد الوطنية بإسرائيل والجوانب الدينية – تكامل او تضارب؟

اوهاد مرلين

تتزاحم في هذه الأيام أعياد إسرائيل الوطنية التي بدأت قبل أيام معدودة بإحياء ذكرى ضحايا المحرقة وذكرى شهداء معارك إسرائيل وضحايا الإعتداءات الإرهابية منذ القرن الـ 19 وإلى أيامنا هذه. يتم إحياء هذه المراسم بطقوس وطنية علمانية، مثل قراءة الشعر وإيقاد الشعلات الرمزية وإطلاق صفارات الإنذار. كما توضع أكاليل من الزهور على القبور في المقابر العسكرية والنصب التذكارية بحضور شخصيات بارزة سواء سياسية اوثقافية اوقانونية في إسرائيل. لكن إضافة لذلك، تحمل هذه الأيام وطقوسها معانٍ دينية أيضا، تربط بينها وبين التقاليد اليهودية التي تعود جذورها الى آلاف السنوات.

اليهودية – دين أم قوم؟

صحيح أن اليهودية هي ديانة سماوية كغيرها من الديانات التوحيدية لكن بفارق واحد. ينحدر الشعب اليهودي من نسل بني إسرائيل، الحمولة أو القبيلة الكبرى التي تشتتت في مختلف أنحاء العالم، بعد طردها مرتين من وطنها الأصلي في أرض إسرائيل، مرة من قبل البابليين عام 586 قبل الميلاد، ثم من قبل الرومان عام 70 للميلاد. وخلافا للديانات السماوية، فإن اليهودية ليست ديانة تبشيرية، أي أنها ديانة غير توسعية. كما أنها ديانة مغلقة، لا تسعى لإقناع العالم باعتناقها، بل تشجع التعددية بين الشعوب والأديان. إن هذا المفهوم يساعدنا على تفسير ازدواجية الهوية اليهودية، والتي تعتبر دينا من ناحية منظومة القوانين وأركان الإيمان، لكنها تمثل قوما واحدا أيضا من ناحية النسب العائلي والتراث القديم والتوق المشترك إلى ممارسة اليهودية على أرض إسرائيل على مر قرون طويلة.

النبوات القديمة تتحقق

من وجهة نظر المتدين اليهودي، فإن تحقق حلم الدولة هو انعكاس لنبؤات الكتاب المقدس التي تذكر عودة بني إسرائيل لأرضهم. كما ان هذه النبوات كانت على مر السنين مصدر الهام للشعب اليهودي في الشتات بإقامة الدول اليهودية، سيما نبوات العزاء الواردة في أسفار الكتاب المقدس، والتي يراها وهي تتجسد على ارض الواقع بعد مئات السنوات من الطرد والاضطهاد. اليكم بعضا منها على سبيل المثال :

لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: سَيَشْتَرُونَ بَعْدُ بُيُوتًا وَحُقُولاً وَكُرُومًا فِي هذِهِ الأَرْضِ (ارمياء 32)

هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: سَيُسْمَعُ بَعْدُ فِي هذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي تَقُولُونَ إِنَّهُ خَرِبٌ بِلاَ إِنْسَانٍ وَبِلاَ حَيَوَانٍ، فِي مُدُنِ يَهُوذَا، وَفِي شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ الْخَرِبَةِ بِلاَ إِنْسَانٍ وَلاَ سَاكِنٍ وَلاَ بَهِيمَةٍ، صَوْتُ الطَّرَبِ وَصَوْتُ الْفَرَحِ، صَوْتُ الْعَرِيسِ وَصَوْتُ الْعَرُوسِ (ارمياء 33)

هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: امْنَعِي صَوْتَكِ عَنِ الْبُكَاءِ، وَعَيْنَيْكِ عَنِ الدُّمُوعِ، لأَنَّهُ يُوجَدُ جَزَاءٌ لِعَمَلِكِ، يَقُولُ الرَّبُّ. فَيَرْجِعُونَ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ. وَيُوجَدُ رَجَاءٌ لآخِرَتِكِ، يَقُولُ الرَّبُّ. فَيَرْجعُ الأَبْنَاءُ إِلَى تُخُمِهِمْ. (ارمياء 31)

هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: سَيَجْلِسُ بَعْدُ الشُّيُوخُ وَالشَّيْخَاتُ فِي أَسْوَاقِ أُورُشَلِيمَ، كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ عَصَاهُ بِيَدِهِ مِنْ كَثْرَةِ الأَيَّامِ. وَتَمْتَلِئُ أَسْوَاقُ الْمَدِينَةِ مِنَ الصِّبْيَانِ وَالْبَنَاتِ لاَعِبِينَ فِي أَسْوَاقِهَا. (زكريا 8)

ولا ننسى أن هناك عدة نصوص قرآنية تتحدث أيضا عن الإرث الإلهي لبني إسرائيل في أرض إسرائيل. على سبيل المثال:

وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارقَ الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحُسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (الأعراف 137)

ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحُكم والنبوةَ ورزقناهم من الطيباتِ وفضلناهم على العالمين (الجاثية 16)

وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً (الإسراء/101-104).

تزاوج التقاليد الدينية بالطقوس الوطنية

تتخلل الطقوس الوطنية رموزٌ دينية كثيرة، منها صلوات مختلفة، مثل صلاة “الكاديش” (التقديس والتوحيد) على غرار سورة الفاتحة في الإسلام،  التي تتم تلاوتها في ذكرى الأموات عموما وفي طقوس إحياء ذكرى الشهداء. وإضافة لذلك وضعت الحاخامية الإسرائيلية الرئيسية صلوات جديدة على أسس قديمة، خصيصا للمناسبات الوطنية.

ومن بين تلك الصلوات: الصلاة لأجل أمان دولة إسرائيل والتي تتم تلاوتها في الكنس في أيام (السبت)، وصلاتيْ “يزكور” (“فليذكر”) و”إيل مليه راحاميم” (“الرب المليء بالرحمة”) إحياء لذكرى الشهداء والضحايا.

كما وضعت الحاخامية الإسرائيلية الرئيسية نصا خاصا لصلوات عيد الإستقلال وعيد تحرير اورشليم، إذ تتلى خلالها مزامير حول الخلاص الوطني لشعب إسرائيل من السبي، ومجيئه لأرض الميعاد، إضافة إلى ترانيم دينية، وتقديم الشكر لرب العالمين على الفرصة الذهبية التي قدمها لشعبه بعد ألفي عام من الشتات، لإقامة دولة جديدة على أرض الوطن القديم.  ويلاحظ أن هذه الصلوات تخلو من تعابيرالحزن والحداد التي تتلى في المناسبات العادية. وفي أنحاء مختلفة من البلاد مثل الحائط الغربي والكنس تقام صلوات خاصة.

بين الدين والعلمانية اكثر من صيغة

يتميز الشعب في إسرائيل بانتمائات متعددة من حيث المنشأ والتوجه العلماني والديني بأطيافه المختلفة، ما يجعل من الصعب التوافق على صيغة واحدة في دولة ديمقراطية تقوم على التعددية. وعلى سبيل المثال، أغلب اليهود الحاريديم (المتشددين ) يرفضون إضافة صبغة دينية على فكرة الدولة الحديثة، كما أن العلمانيين والملحدين يرفضون ذلك المفهوم أيضا. لكن هناك من المتدينين المعتدلين من يتقبل مفهوما مزدوجا للأعياد الوطنية والدينية.

إجمالا يمكن القول أن النهضة اليهودية في أرض الأجداد القديمة تمثل ظاهرة تاريخية ملهمة فريدة من نوعها على المستوى العالمي، تكرمها كل أطياف الشعب الإسرائيلي ،كلٌ على طريقته!

تعليقات