صلاة يهود ومسلمين على روح حاخام يهودي في إسرائيل

في إحدى ليالي الأسبوع الماضي تجمع عشرات الشباب والشيوخ، رجال ونساء من اليهود والمسلمين، في صلوات وأغانٍ مشتركة باللغتين العبرية والعربية لأجل السلام والمحبة بين الشعوب. فمن هي الشخصية التي جمعتهم؟

اوهاد مرلين

كان هذا الاجتماع في الذكرى الخامسة لرحيل الحاخام والشاعر وناشط السلام مناحيم فرومان، الذي قاد عملية سلام فريدة من نوعها على أسس دينية، حيث التقى فرومان خلال حياته  برجال دين مسلمين وبالعديد من القادة السياسيين العرب، مما أثار نقاشا وجدلا بين الحضور. وننتهز فرصة إحياء ذكرى وفاة هذا للتعرف على هذه الشخصية الاستثنائية.

حياته

ولد فرومان عام 1945 لعائلة غير متدينة من قرية “كفار حاسيديم” الواقعة في الشمال الإسرائيلي. وكمل دراسته الثانوية في مدرسة علمانية في حيفا كما وشارك في فعليات الحركة الشبابية اليسارية العلمانية “هانوعر هاعوفيد في هالوميد” (الشباب العاملون والدارسون) ثم شارك في حرب الأيام الستة في إطار خدمته العسكرية. وعقب انخراطه في تعاليم الفلسفة اليهودية في الجامعة العبرية قرر الاقتراب من الدين اليهودي وعلى مر السنوات أصبح متدينا وتعمق في علوم الدين في معاهد دراسية دينية مختلفة حتى نجح في الحصول على لقب “حاخام”.

وعلّم فرومان في عدة معاهد ومدارس دينية في أورشليم والسامرة، لكن مكانته برزت عندما شغل منصب الحاخام الرئيسي لقرية “تكواع” المكونة من الإسرائيليين المتدينين والعلمانيين على حد سواء، الواقعة في غوش عتسيون – جنوب غرب أورشليم وخلف ما يسمى بـ “الخط الأخضر”، حيث شغل هذا المنصب حتى وفاته عام 2013.

خير خلف لخير سلف

تزوج فرومان من محبوبته هداسا والتي أقامت في قريتهم مدرسة مشتركة للمتدينين والعلمانيين، والجدير بالذكر أن جميع أطفالهما العشرة يكرسون حياتهم للتربية والتعليم. فلا عجب أن يكون نجل هذا الحاخام الناشط الشهير شيفي فرومان من بادر إلى وقفة الصلاة لأجل سكان سوريا الذين يعانون من الحرب الأهلية القاسية قبل حوالي عامين (والتي قد نشر مقال عنها في موقع المغرد)، إضافة إلى جمع المساعدات من الجمهور الإسرائيلي لأجل النازحين السوريين.

خلال سنوات حياته الطويلة طور فرومان رؤية خاصة جدا حول الصراع العربي الإسرائيلي. ووفقا لهذه الرؤية فإن لب الصراع ذات جذور دينية وليست سياسية فحسب، لذا تمسك بالرؤية أن تحقيق السلام يجب أن يتم عبر توافق ديني ومن خلال الالتقاء على أساس الإيمان بالرب وبقداسة الأرض للأديان السماوية الثلاث. وانسجاما مع هذه الرؤية التقى فرومان بشخصيات دينية في العالم الإسلامي، منهم قادة من حركة حماس مثل الشيخ أحمد ياسين، إضافة إلى لقاءاته مع شخصيات وسياسية بارزة مثل ياسر عرفات ومحمود عباس، وحتى الرئيس التركي رجب طيب اردوغان. وفي كل هذه اللقاءات شرح فرومان رؤيته بأن فرصة السلام تتجسد في لقاءات الحوار بين رجال الدين والمؤمنين، وليس بين السياسيين ذوي المصالح والأجندات السياسية.

شملت شخصية الحاخام فرومان نسيجا متنوعا مثيرا للإلهام من الآراء والأفكار. فمن ناحية كان فرومان من محبي أرض إسرائيل التاريخية المتحمسين، حيث عاش في غوش عتصيون وكان يخلع خذائه قبل إلقاء خطبه إيمانا بقوة وإلهام الأرض المقدسة، ومن الناحية الثانية أفتى بتحريم المس بحياة وممتلكات جيرانه الفلسطينيين بضمنها الأشجار، وشارك في مراسم تشييع جنازات عرب إسرائيل الذين قتلوا بنيران يهودي متطرف في شفاعمرو، كما زار المساجد المتضررة في إطار عمليات تخريب للمتطرفين اليهود. ويجدر بالذكر أن فرومان كان نباتيا منذ طفولته خشية من المساس بحياة الحيوانات.

ورأى فرومان في إقامة المستوطنات فرصة ذهبية للتعارف على الجانب الفلسطيني والقيام بالحوار البناء معه، حيث اعتبر المستوطنات “أيدي الشعب اليهودي الممدودة للسلام مع الجيران الفلسطينيين”. لذا أسس فرومان حركة “أرض السلام” والهادفة إلى إقامة الحوار البناء بين الإسرائيليين والفلسطينيين في منطقة غوش عتصيون – جنوب أورشليم.

وإضافة لكل ذلك رأى فرومان أن عبادة الرب تتاح من خلال مجالات وطرق مختلفة من الحياة، منها الشعر والحركة وحتى المسرح، حيث مارس فرومان هذه الفنون بلهفة وإعجاب.

دمج فرومان في شخصيته الاستثنائية ما قد يبدو للبعض تناقضات إذ جمع بين الدين والعلمانية، السلام والنضال في سبيله، حب الدين والأرض والاهتمام بحقوق الإنسان والحوار البناء مع الغير. ما يجعله شخصية استثنائية على الساحة السياسية والدينية الشرق أوسطية ككل. أرقد بسلام يا حاخام فرومان!

حقوق الصورة البارزة: فيسبوك

تعليقات