التوراة الشفهي- “السُنّة” والمؤلفات المكملة لتعاليم الدين اليهودي

التوارة هو الكتاب المقدس لدى اليهود مثلما القرآن بالنسبة للمسلمين. لكنه ليس المصدر الوحيد للشريعة وتعاليم الدين اليهودي، حيث هناك مؤلفات أخرى مكلملة له

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

تلقى النبي موسى التوراة فوق (جبل) سيناء، ثم نفله إلى يهوشوع، الذي نقله إلى شيوخ بني إسرائيل، وهؤلاء نقلوه للأنبياء، الذين نقلوه بدورهم لعناصر “هاكنيست هاجدولاه” (الجامعة الكبرى). هكذا تصف “ماسيخيت آفوت” (كتاب الآباء) سلسلة النقل التوراتية عبر الزمان. وهنا سنحاول تتبع تطور ما يعرف بـ “هاتوراة شبعال بيه” أي “التوراة الشفهي”، الذي يعتبر أساسا مهما من أركان الدين اليهودي ويمثل تكملة للشرائع الدينية المذكورة في التوراة.

من القرابين إلى الشرائع
قبل نحو ألفي سنة، وبالتحديد في أواسط القرن الأول للميلاد كانت الامبراطورية الرومانية تسيطر على مناطق واسعة من الشرق الأوسط، بما فيها أرض إسرائيل ومملكة يهوذا. وكان الرومان قد فرضوا على اليهود قوانين قاسية، الأمر الذي أدى إلى تمردهم على الرومان عام 66 م.  عام 70 حاصر الرومان المدينة المقدسة أورشليم ساعين لإخماد التمرد، وهنا تبدأ قصة الحاخام البارز يوحنان بن زكاي.

كان بن زكاي من أكبر وأبرز القادة الدينيين في أورشليم حينذاك، عندما كان المجتمع اليهودي منقسما ومشتتا. واختلفت الطوائف اليهودية خلال الحصار حول ما إذا كان يجب الاستسلام للرومان أو مواصلة الكفاح ومحاربتهم، حتى أن مجموعة متطرفة أحرقت جميع مخازن الطعام التابعة للمدينة كي تجبر سكان أورشليم على محاربة الرومان.

ولما رأى الحاخام يوحنان بن زكاي كل ذلك، عرف أن الرومان سوف يحتلون أورشليم ويحرقون الهيكل، الأمر الذي قد يؤدي إلى فقدان مركز العبادة الأساسي للدين اليهودي. ويقول التلمود البابلي (كتاب غيتين 56) أن بن زكاي استطاع الهروب من أورشليم في تابوت، ثم توجه إلى الحاكم الروماني في البلاد وطلب منه في حال تدمير أورشليم، الحفاظ على مدينة “يافني” وعلى حكمائها وقادتها الدينيين، فوافق الحاكم على ذلك. ويعتبر بن زكاي بمثابة منقذ الديانة اليهودية من التدمير الكامل من قبل الرومان، مع تحويل نقطة التركيز للدين اليهودي: من دين العبادة في الهيكل في أورشليم تحديدا، من خلال تقديم القرابين، إلى دين شرعي يومي ملائم لكل أتباعه أينما كانوا.

الميشناة

كانت مدينة يافني من أهم مدن مملكة يهوذا، حيث عاش فيها أبرز القادة الدينيين اليهود. وبعد تدمير أورشليم وحرق الهيكل من قبل الرومان أصبحت يافني أكبر مركز روحاني يهودي، الأمر الذي مكّن حكماءها من التمسك بالدين اليهودي وتطوير شرائعه. وفي ذلك الحين بدأت فترة “التانائيم”، التي تمتد من القرن الأول حتى الثالث الميلادي.

وفي هذه الفترة أفتى الحاخامون بما يسمى “ميشنايوت”، أي “شرائع”، تفسيرا للتوراة والتناخ. وفي القرن الثالث جمع رابي يهودا هاناسي (الرئيس) هذه الميشنايوت في مجلد واحد أطلق عليه “ميشناة” والذي يتكون من 6 “سداريم” (المفرد: “سيدر”) تخص شرائع تشمل مختلف مجالات الحياة من زراعة وأعياد ونساء وأضرار وقداسة وطهارة. وتم تقسيم كل سيدر إلى “مساختوت” (المفرد: “مسيخيت”) وفقا للمواضيع المختلفة. وعلى سبيل المثال، ماسيخيت “شابات” الذي يتناول شؤون السبت في سيدر الأعياد، وماسيخيت “كيدوشين” الذي يخص شؤون الزواج في سيدر النساء، وهكذا الخ.

جدير بالذكر أن الميشناة مصوغة بشكل استثنائي، فعلى الأغلب تحتوي كل ميشناة على عدة آراء مختلفة بشأن محدد، وتوفر صوتا حتى للآراء التي لم تقبل الهلاخا في نهاية المطاف.

التلمودان البابلي والأورشليمي

بعد فترة التنائيم وعقب طرد معظم اليهود من أرض إسرائيل من قبل الرومان، انتقل مركز العالم اليهودي الروحاني إلى بابل، حيث أسست الجاليات اليهودية “يشيفوت” أي معاهد دينية عالية لتعليم التوراة والميشناة. وتسمى هذه الفترة “فترة الآمورائيم” على اسم الحاخامية حينذاك “آموراء”. وعلى مدى نحو 7 أجيال، من القرن الثالث وحتى السابع، ألف الحاخامون في بابل ما يعرف بـ “التلمود البابلي”، وهو بالأساس تفسير للميشناة، مبني على أسس السداريم والمساختوت.

معظم التلمود مكتوب بالآرامية، التي كانت لغة معظم اليهود البابليين حينذاك، ويبقى التلمود مكتوبا بهذه اللغة إلى أيامنا هذه. ومثل الميشناة، يمثل التلمود كتابا متعدد الآراء والأصوات، ويشمل بأغلبيته الساحقة على بحوث ونقاشات حول أساليب إفتاء الشرائع، كما يضمن حكايات وتفسيرات للتوراة وأقوال الحكمة والأخلاق.

تجدر الإشارة إلى أنه في نفس فترة تأليف التلمود البابلي، تم تأليف تلمود مواز في أرض إسرائيل وتحديدا في مدينة طبريا من قبل الأقلية اليهودية التي بقيت في البلاد، ويسمى هذا التلمود بـ “تلمود يروشليمي” أي “التلمود الأوروشليمي”. لكن الوضع الصعب لليهود في البلاد واللغة المعقدة والرقابة القاسية من قبل الرومان، جعلت هذا التلمود مع الأسف غير قابل للقراءة تقريبا.

التوراة الشفهي

يمثل الميشناة والتلمود أبرز المؤلفات الشرعية اليهودية، ويمثلان أسس الشرائع والإفتاء في الدين اليهودي. ويطلق عليهما اسم “هاتوراة شبعال بيه” أي “التوراة الشفهي”، وينظر إليهما كتكملة لشرائع التوارة. فوفقا للتقليد اليهودي كل ما سيجدده حاخامو المستقبل، قد قيل للنبي موسى عليه السلام في جبل سيناء. (كتاب مدراش فايكرا رابا، القرن الخامس).

ويدرّس التلمود اليوم في جميع المدارس اليهودية الدينية في إسرائيل وفي الشتات، وينظر إليه اليهود المتدينون ليس كمرجع ديني فقط، وإنما كتحدٍ فكري يوفر متعة تعليمية ويمثل وسيلة للربط بين سلسلة الأجيال والآراء اليهودية طويلة المدى.

حقوق التصوير: Flickr – Lawrie Cate

تعليقات