لهجة يهود العراق تشهد نهضة غير مسبوقة في إسرائيل

طور المجتمع اليهودي خلال أكثر من 2500 عام في العراق لهجة خاصة بِه تاثرت بما لا يقل عن 12 لغة على مر العصور وكانت تُستخدم بين اليهود أنفسهم، في حين كانت اللهجة العربية المحلية هي السائدة أثناء التواصل مع الجيران المسلمين

حصري لموقع المغرد/سمادار العاني 

بعد خروج معظم اليهود من العراق في بداية خمسينات القرن الماضي، بقيت في العراق جاليةً قليلة من اليهود، الذين تأثروا من اللهجة المسلمة السائدة في البلاد. أمست إسرائيل المركز الرئيسي للمتحدثين باللهجة اليهودية العراقية، واستمرّ يهود العراق التحدث بها في منازلهم وخلال لقاءاتهم في المقاهي والنوادي، خاصةً  في أهم معاقلهم، في مدينتي أور يهودا ورامات كان.

تقول للمغرد جيلا يونا واضعة قاموس بعنوان “لهجة يهود العراق” الذي يحتوي على أكثر من 15 ألف مفردات، مصطلحات وأمثال شائعة لدى يهود العراق” تشهد  هذه اللهجة المميّزة في السنوات الأخيرة نهضةً غير مسبوقة”.
تأتي هذه النهضة بعد عقود من الغياب لانهماك الرعيل الأول بالبقاء والتطور في الدولة الفتية. ومع اندماج أبناء الجيل الثاني والثالث ليهود العراق في المجتمع الإسرائيلي، اجتازوا حاجز الخجل والارتباك مترجمين حنينهم لجيل الأباء والأجداد إلى واقع ملموس.

تتمثل هذه النهضة في افتتاح دورات لأبناء الجيل الثاني والثالث لدراسة اللهجة، برئاسة الناشط الثقافي عوديد عاميت إلى جانب مجموعات فيسبوكية تهدف إلى إحياء هذه اللهجة القديمة، وعلى رأسها مجموعة ال”ميشمريم” (مجموعة الحفاظ على اللهجة العراقية) وفرقة “دارسين العراقية العامية”.

كما تم تدشين برنامج تعليمي بجامعتي تل أبيب وبئر سبع  لدراسة لهجات يهود الدول العربية بما فيها لهجة يهود العراق. إضافة إلى ذلك، نشهد تمثيليات باللهجة اليهودية العراقية  يتم عرضها من قبل أبناء الجيل الثاني، تُذكِّرنا جميعًا بجيل الأباء والأجداد وتبعث فينا الشوق والبهجة.

ومن أبرز هذه التمثيليات: “أنا ومراتي وقصة حياتي”، “بيت الجيران” و”ست الحبايب” للممثلة سيجال شاؤول، وسلسلة تمثيليات ل”منشيه ونزيمة” التي تصف حياة يهود العراق في الشتات العراقي وفي بداية تأقلمهم في إسرائيل.

تطور اللهجة اليهودية في العراق  

أثر المدّ البدوي إلى العراق في تغيير اللهجة المحلية الأصلية، أثناء  إمتداد الإسلام من شبه الجزيرة العربية. وقد أدى هذا التطور إلى الزواج المختلط بين البدو والمحليين، ممّا أثر حتمًا على اللغة  في معظم أنحاء العراق. في المقابل، بقيَ يهود العراق مجتمعًا مغلقا على نفسه، بعيداً عن الزواجَ المختلطَ، ما ساهم في الحفاظ على اللهجة العراقية القديمة والأقرب إلى الفترة العباسية.

توقف المدّ البدوي في محافظات شمال العراق، ولهذا السبب نشهد تشابهًا مثيرًا بين لهجة يهود العراق واللهجة المصلاوية ناهيك عن توالي الغزاة على العراق في حقبة من الزمن ما أثر على مفردات اللغة العربية المحكية. يتلخص الفرق بين اللهجة المصلاوية ولهجة يهود العراق بالتأثيرات العبرية والارامية على اللهجة اليهودية، حيث كانت الارامية اللغة السائدة في الشرق الأوسط قبل إنتشار العربية، أمّا العبرية، فكانت لغة النصوص اليهودية المقدّسة.

من أبرز سيمات اللهجة اليهودية: 

اللهجة اليهودية وطريقة تصرفها هي الأقرب للفصحى. كما أنّ من علاماتها الفارقة الإدغام تحول ال-“ر”  الى “غ” إضافة إلى ذلك، يستخدم يهود العراق في نُطقهم حرف ال-p  الذي لا يوجد في اللغة العربية، نتيجة تأثير اللغتين التركية والفارسية ولغات أجنبية أخرى. كلمات تجد في اللهجة اليهودية تأثر من الفارسية مثل بلاو من بيلاو (رز)، بنجرة (شباك)، ميزمن الإسبانية (طاولة)، وتشاربايا من التركية جهار بايه(سرير). كما تأثرت اللهجة اليهودية بالكلمات الإنكليزية خلال فترة الانتداب البريطاني على العراق مثل كلاس (كوب)، “بطل” (زجاجة).

وهناك أيضا كلمات دخلت من الهندية إثر رحلات رجال أعمال يهود إلى هناك، ومن أبرزها كلمة “بنكة” (مِرْوَحة). ومن أبرز الكلمات باللهجة اليهودية العراقية التي تغلغلت حتى إلى العبرية “بار مينان” (من الارامية ومعناها- لا سمح الله) و”طلعت نشمتي” (نِشَامة بالعبرية = روح، أيّ “طلعت روحي”).

في نظر أبناء الجيل الثاني والثالث ليهود العراق تعيد هذه اللغة التي تتجسد في التمثيليات وصفحات الفيسبوك مع مفرداتها الموسيقية مشهد طفولتهم وتربيتهم لم يكن واضحا حينذاك. تحدث هذه النهضة المميّزة في وقت أصبحت فيه الهوية الإسرائيلية الجامعة واضحة الملامح، مّا يعزز روح الانفتاح  واحترام التنوّع والخصوصية لكل مكوّن من مكوّنات المجتمع.

حقوق الصورة البارزة: ويكيبديا

تعليقات