“بين هامتساريم”: إحياء ذكرى تاريخ حزين عن طريق الصيام

تمتد بين صوم السابع عشر من شهر تاموز وصوم التاسع من شهر آف فترة ثلاثة أسابيع تشير للكوارث الوطنية التي شهدها اليهود، ويمارس خلالها اليهود طقوس الحداد، فيمتنعون عن الحلاقة والاستماع لموسيقى الأفراح

أوهاد مرلين

في التقويم اليهودي، شرعت هذه الأيام الفترة المعروفة ب”بين هامتساريم” أي “بين المضايق”، إشارة للكوارث الوطنية التي شهدها اليهود في مثل هذا الوقت قبل قرون عديدة. هذا مرور على وقائع تلك الفترة المؤلمة وقراءة لنصوص تلمودية وعبرية عنها.

صيام ذكرى الدمار

الصيام في الدين اليهودي له معنيان مختلفان، أولهما التطهير كما هو في عيد الغفران، والثاني وهو الأكبر أهمية يشمل إحياء ذكرى الكوارث المؤلمة التي حصلت في الماضي تمنيا بمستقبل أفضل. يشمل التقويم اليهودي 5 مناسبات صوم إحياء لذكرى الأحداث التاريخية، 4 منها تختص بدمار الهيكلين وأورشليم بالتحديد، أما أبرز صومين فهما: صوم السابع عشر من شهر تاموز وصوم التاسع من شهر آف.

يحيي صوم السابع عشر من شهر تاموز العبري، ذكرى اقتحام البابليين لأسوار أورشليم خلال عصور الهيكل الأول، تمهيدا لتدمير مملكة يهوذا ثلاثة أسابيع بعد ذلك، في عام 586 قبل الميلاد. أما صوم التاسع من آف فإنه يحيي ذكرى دمار الهيكلين وتدمير مملكة يهوذا الأولى في عام 586 قبل الميلاد والثانية في عام 70 للميلاد. وتقول “الميشناه” في ماسيخيت “تاعانيت” (الصيام)، الفصل الرابع:

“خمس كوارث حصلت لآبائنا في السابع عشر من تاموز وخمس في التاسع من آف:

في السابع عشر من تاموز كسرت الواح موسى عليه السلام، وألغي القربان الدائم في الهيكل، واقتحم البابليون مدينة أورشليم، وحرق آبوستوموس سفر التوراة وأدخل الرومان صنما للهيكل، وفي التاسع من آف حكم على آبائنا أنهم لن يدخلوا أرض الميعاد بعد خطيئة الجواسيس، ودمر الهيكل للمرة الأولى والثانية، وغُلبت مدينة بيتار، ودمرت.”

تمثل تلك الأحداث المحزنة والتي حصلت وفقا للميشناة في تمام نفس التواريخ أسباباً موجبة للصومين. وتمتد بين الصومين فترة ثلاثة أسابيع يمارس خلالها اليهود طقوس الحداد، فيمتنعون عن الحلاقة والاستماع لموسيقى الأفراح ويمتنعون عن احياء الاحتفالات الكبيرة ويظهرون اساهم وحزنهم لدمار الدولتين اليهوديتين المستقلتين التاريخيتين اللتان قامتا على أرض إسرائيل واستمرتا لمدة نحو 900 سنة بشكل متراكم. أنهيار تلكم الدولتين مثل نكبة كبرى في تأريخ الشعب القديم.

في الأيام التسعة التي تسبق صوم التاسع من آف – وهو من أقسى صيام اليهود، تتصاعد مستويات إظهار الحزن لتشمل الامتناع عن سماع الموسيقى بشكل عام والامتناع عن شرب الخمر وتناول اللحم (باستثناء يوم السبت) حتى الوصول إلى عشية الصوم.

وفيما يبدأ صوم السابع عشر من تاموز مع شروق الشمس وينتهي بغروبها، فإن صوم التاسع من آف يمتد من غروب الشمس في عشية الصوم وحتى غروب الشمس التالي، أي 25 ساعة تقريبا. وترى الشريعة اليهودية (الهلاخا) أنه بسبب استمرار اشتعال النيران في الهيكل حتى اليوم التالي، لذا يجب أن تستمر مراسم الحداد حتى ظهر اليوم العاشر من شهر آف.

وفي الصيام يمنع تناول المأكولات والمشروبات، لكن في التاسع من آف تضاف تحريمات إضافية مثل منع القيام بالعلاقات الجنسية ومنع ارتداء الأحذية الجلدية ومنع الاستحمام، كما ويقعد العديد من اليهود على الأرض أو بالقرب منها تعبيرا عن الحزن والحداد عن دمار الهيكلين.

المراثي

وفي التاسع من آف يُتلى سِفر مراثي إرمياء من الكتاب المقدس والذي يشمل 5 إصحاحات من الرثء كما تتلى صلوات خاصة تسمى ب”كينوت” أي “المراثي”، بمرافقة الحان حزينة بطيئة على الأغلب.

ومن بين التقاليد العديدة المختصة بتلك الأيام أيضاً الامتناع عن شراء كتب ال”كينوت” بشكل فرضي نزوعاً للخلاص الكامل وهو المستقبل الذي لا حاجة فيه للمراثي. هذه نصوص من تلك الصلوات مترجمة للغة العربية، مستهلين العرض بإحدى أشهرها هي “إلي تسيون في عرييها” أي “يا رب، صهيون ومدنها”:

“يا رب، صهيون ومدنها

مثل المرأة في مخاضها

ومثل العذراء الناعية

المتفجعة على زوجها

وعلى قصرها الذي هُجر

بسبب ذنوب أغنامها

وعلى دخول لاعني الرب

داخل هيكل غرفتها

وعلى سبي عبيد الله

ناظمي ترانيمها

وعلى دمائهم التي سالت

مثل مياه أنهارها…”

تشبّه هذه المرثاة المنظومة وفقا للأبجدية العبيرة، مدينة صهيون وهي أورشليم والتي هجر أبنائها بالعذراء التي تنعي زوجها الحبيب، هنا بآداء المغنية الإسرائيلية رونا كينان:

أما المرثاة التالية فتروي قصة آلام بني إسرائيل بعد الدمار من خلال وصف النجوم والسموات والأبراج كأنها أصيبت بالاكتئاب معهم.

“إلى متى بكاء في صهيون ونعي في أورشليم؟

أرحم صهيون وابن أسور أورشليم!

حينئذ بذنوبنا دمر الهيكل وبآثامنا أحرق المعبد

فالأرض الحبيبة نعت وجنود السموات تلت مراثيا

وبكى أسباط يعقوب وناحت أبراج السموات

وأعلام بني إسرائيل أصابهم الاكتئاب والمجرات والبروج أخمِدَت وضائتهم…”

وهناك مراثٍ إضافية عديدة لا يسعنا أن نعرضها هنا كاملة. هذا الأنين هو ذكريات الشعب اليهودي مسترجعا كوارثه التاريخية – ممتزجا بالبكاء والذكر والصلاة، مستشرقا في عين الوقت مستقبلاً أفضل يسوده الفرح بدلا عن الحزن.

تعليقات