الهوية اليهودية والإنتماء لإسرائيل لا تلغي قوة الحنين للبلدان العربية

لا يزال يحتفظ كثير من الإسرائيليين الذين هاجروا من الدول العربية، بذكرياتهم في تلك البلدان ويحنون إليها، مثل عائلة كوهين “المصرية”. لكنهم يشعرون بانتماء أقوى لإسرائيل وهويتهم اليهودية

داود رشو

سامي كوهين يهودي ولد في القاهرة عام 1943 ويعيش في إسرائيل منذ عام 1956. في القاهرة كانت تقيم عائلته الميسورة في حارة اليهود التي تعد أحد أحياء القاهرة القديمة. وعن أصول والده يقول إنه كان يحمل الجنسية البريطانية، ولد في اليمن بمدينة عدن حين كانت مستعمرة بريطانية وهاجر إلى مصر في آواخر القرن التاسع عشر، حيث عمل في الخياطة، وقد حصل سامي وباقي أفراد عائلته على الجنسية البريطانية عن طريق والدهم.

عائلة سامي كانت مؤيدة للحركة الصهيونية ومتأثرة جدا بأفكارها، وكانت تلتف حول جهاز الراديو لتستمع إليه وتعرف أخبار دولة إسرائيل التي كان قد تم الإعلان عنها حديثا. لكن العائلة مثل الكثير من اليهود في مصر والبلدان العربية الأخرى لم تكن تفكر في الهجرة إلى إسرائيل، وفي هذا السياق يقول سامي “رغم شعورنا بالانتماء إلى الشعب اليهودي الذي كان أقلية تشعر دائما بالخوف في مصر، إلا أننا كنا نحاول أن نبقى هادئين ولا نلفت الأنظار إلينا”.

مع مرور الأيام وحرب عام 1956 بين مصر وإسرائيل وبريطانيا وفرنسا، تغيرت الأوضاع والظروف ومعاملة اليهود، حيث ازدادات التهديدات والإهانات لهم، وازداد الاستياء تجاه الأجانب عامة بعد عام 1956، وعن ذلك يقول سامي “لم يتم إبعادنا أو مضايقتنا لأننا كنا يهودا، وإنما لأننا أجانب” إذ كان أغلب اليهود يحملون جنسية أجنية، مثل عائلة سامي، ويشير إلى أنه بعد حرب 1956 تم انتزاع الجنسية المصرية منهم وأجبروا على الرحيل وكان الناس يقولون عنهم “صهاينة بريطانيون”.

ترحيل اليهود من مصر

أمهلت السلطات المصرية عائلة كوهين أسبوعا واحدا لترحل، حيث تم حجزها في البيت وحبس الوالد ليومين بعد إغلاق محله. لكن جيرانهم المسلمون ذهبوا إلى إدارة المدينة في ساحة التحرير وحاولوا ثني السلطات عن قرارها بترحيل عائلة كوهين، فتم السماح لها بالبقاء لمدة شهرين فقط، ورحلت بعدها على متن سفينة باتجاه انكلترا، يقول سامي متذكرا تلك الأيام بمرارة. لكن السفينة توقفت في ميناء بريوس اليوناني، حيث كان موظفو الهجرة الإسرائيليون في انتظار عائلة كوهين والعائلات اليهودية الأخرى التي كانت معها على متن السفينة، وسألوهم لماذا لا يغيرون وجهتهم إلى إسرائيل، حيث سيحصلون على جنسية جديدة ومنزل؟ وافقت عائلة كوهين على العرض وسافرت إلى إسرائيل. لكنها أصيبت بالصدمة حين وصلت إلى إسرائيل، حيث كان عليها السكن في غرفة واحدة ولم تكن هناك مياه ولا عمل، ولم تكن تحمل معها شيئا بعد إجبارها على ترك أموالها وممتلكاتها في مصر. حيث كانت ميسورة الحال ومن الطبقة العليا، أما في إسرائيل فكانت مجرد عائلة مهاجرة و”بعد أن كانت أمي سيدة في القاهرة، أصبحت خادمة في إسرائيل، لقد كانت كارثة” يقول سامي متذكرا تلك الأيام العصيبة في الدولة الفتية. وتقول أخته ماري إن ذلك كان صعبا جدا بالنسبة لوالدها، الذي كان يعاني من مرض السكر، “فلم يحتمل هذا التحول الذي كان صدمة كبيرة بالنسبة إليه، وتوفي بعد فترة قصيرة من وصولهم إلى إسرائيل” عام 1956.

بعد وفاة والد سامي، كان على الوالدة أن تتولى رعاية الأسرة بمفردها، وكان الوضع أصعب بالنسبة لليهود من البلدان العربية مقارنة باليهود من الدول الأوروبية الذين يعتبرون أنفسهم مؤسسي الدولة. لذلك قررت الوالدة أن تبذل كل طاقتها ودخلها وما تملكه من أجل تأمين تأهيل مهني وعلمي جيد لأولادها.

الحنين إلى القاهرة

ورغم مرور أكثر من 60 عاما على رحيل عائلة سامي واستقرارها في إسرائيل، فإنه لا يزال يتذكر مصر وأيام القاهرة ويحن إليها، وقد زارها حوالي 30 مرة بعد أن غادرها وهو في سن الرابعة عشرة.

وخلال حرب عام 1973 كان سامي واحدا من الجنود الإسرائيليين الذين دخلوا الأراضي المصرية، وكان على بعد 100 كيلومتر فقط من القاهرة، ويصف مشاعره في تلك الأثناء بالقول ” لم أصدق أنني قريبا جدا من القاهرة. شعرت بقوة كبيرة تجذبني إلى المكان الذي أتيت منه. أردت أن أذهب إلى هناك وأرى بيتي”. ويضيف بحماس “أردت أن أنزع بزّتي العسكرية وأرتدي ثيابا مصرية لأصل إلى القاهرة. أمر لم يكن يصدق، كان مثل حلم”.

الانتماء والهوية اليهودية

رغم كل تلك العاطفة والانجذاب إلى القاهرة، ينظر سامي كوهين وعائلته إلى مصر كخزان لذكرياتهم أكثر من شعورها بالانتماء إليها، ويقول بأنه يشعر بانتمائه إلى الشرق الأوسط أكثر من انتمائه إلى دولة محددة، ويضيف “عقليتي شرقية، لكن لا أستطيع أن أعتبر نفسي عربيا. نحن يهود، وهذه (اليهودية) هي هويتنا”. وحسب رأيه، فإن “كلمة عربي تشير اليوم إلى المسلمين والمسيحيين. طبعا لدي تراث عربي، لكن هويتي يهودية”. ويقول إنه لا يرغب في العودة إلى مصر والعيش فيها، إذ أنه “من المستحيل بالنسبة لإسرائيلي أن يجد أحدا يقبل أن يؤجره شقة. والسبب ليس لأنني يهودي، وإنما لأنني إسرائيلي”.

لكن ذلك لا يعني أن العادات العربية لم تؤثر على سامي وعائلته وحياتهم اليومية، فهم يحبون الاختلاط مع العرب في إسرائيل، وتقول أخته ماري إنها اعتادت على الذهاب إلى القرى العربية و”شرب القهوة والتحدث بالعربية مع أناس يشبهونني من حيث اللغة والثقافة”.

ويسأل سامي كوهين أصدقاءه المصريين في القاهرة عن انتمائه وشعورهم تجاهه؟ فيجيبون بأنه ولد في القاهرة، وإسرائيل هي فقط مكان إقامته، وبالنسبة إليهم يعتبر “مصريا” يقول سامي. وأخته ماري تشعر بما يشبه ذلك بقولها “مصر هي المكان الذي بدأت فيه حياتي، وتشكلت فيها عقليتي ومن أكون. حيث اندمجت في طفولتي الجذور اليهودية والمصرية، وهي الذكريات التي أحتفظ بها”.

حقوق الصورة البارزة: ويكيبديا

تعليقات