يهود اثيوبيا – حكايا العودة الى أرض الميعاد

يهود اثيوبيا لهم تاريخ مثير للاهتمام وتقاليد خاصة، بل أنّ اسمهم في بلدهم اليوم “بيتا إسرائيل” وهو ما يمنحهم ميزة عن جميع مكونات نسيج البلد تقريبا

حصري لموقع المغرد / اوهاد مرلين

تقليديا، ينسب يهود اثيوبيا (واسمهم اليوم “بيتا إسرائيل”) أنفسهم إلى دولة الملك سليمان عليه السلام، والذي حسب سفر الملوك الأول، الإصحاح العاشر، قد التقى بملكة سبأ عندما جاءت إلى أورشليم من أجل إخبار حكمته الشهيرة، ويرى أبناء تلك الجالية أنهم من سلائل الملك سليمان وملكة سبأ. كما وهناك أيضا من يعتبر أبناء تلك الجالية من الناجين من دمار مملكة إسرائيل الشمالية من قبل الآشوريين في العام 720 قبل الميلاد.

أحفاد الملك سليمان أم يهود شتات اليمن؟

ومن بين الآراء الأخرى هناك من يقول إنهم من سلائل يهود اليمن الذين هاجروا إلى القرن الإفريقي أو من الأثيوبيين المسيحيين الذين اعتنقوا اليهودية، لكن على كل حال هناك إشارات وأدلة أثرية وتاريخية على الوجود اليهودي في أثيوبيا حتى في القرن الرابع للميلاد، حيث تأسست مملكة يهودية من قبائل اليهود، سميت ب”مملكة جدعون”.

وعلى مر القرون عاشت القبائل اليهودية في مناطق إثيوبيا المختلفة وتحت ظروف متغيرة حسب جودة علاقاتهم بالممالك المسيحية المجاورة، لكنهم حافظوا وبكل حرص على إخلاصهم لوطن أجدادهم والإيمان بالعودة لصهيون، كما وحافظوا على العادات والتقاليد الخاصة بهم، بما فيها وصايا قديمة جدا لم تحافظ عليها جاليات يهودية أخرى، مثل شرائع النجاسة والطهارة التوراتية.

وعاشت العائلات اليهودية الأثيوبية في قرى خاصة بها لتجنب التزاوج المختلط والحفاظ على العادات العبرية. ومن المثير للاهتمام أنّ الكتاب المقدس الأثيوبي، والذي يسمى “أوريت” (الكلمة قريبة من الكلمة الآرامية للتوراة “أورايتا”)، يشمل عدة أسفار مختلفة عن الأسفار الذي يضمن الكتاب المقدس اليهودي (والعهد القديم المسيحي)، كما أنّ لغة الصلاة المقدسة الخاصة بيهود أثيوبيا تحولت وعلى مر العصور إلى لغة ال”جعز” القريبة من الأمهرية، بدلا من اللغة العبرية.

عيد ال”سيغد”

ومن التقاليد المثيرة للاهتمام لبيتا إسرائيل، احتفال اليهود الأثيوبيين في التاسع والعشرين من شهر حشفان العبري، لصوم يسمى ب”سيغد”. إن توقيت العيد، 50 يوما بعد عيد الغفران، يمثل فرصة لمحاسبة النفس وطلب الاستغفار من الناحية الجماهيرية.

في أثيوبيا، كان المحتفلون يتطهرون قبل العيد وفي عشية العيد كانوا يبدأون الصوم ويؤدون صلوات طويلة حول العودة لصهيون. ثم في الصباح كان الكهنة (“قييس” في لغة الجعز) يُخرجون كتب “الأوريت” ويقودون الجماهير إلى قمة أحد الجبال في المنطقة، محاكين قبول التوراة على جبل سيناء.

وبعد الصعود إلى الجبل يقرأ الكاهن أجزاء من أسفار الخروج والمزامير والملوك ونحميا تخص الاستغفار والخلاص والعودة لصهيون، وكان الجمهور يكرر كلامه ويصلي. وفي نهاية الطقوس كان الموجودون ينفخون بالبوق متمنين احتفال العيد في أورشليم في السنة المقبلة.

واليوم، بعد عودة معظم جماهير “بيتا إسرائيل” لصهيون، كانت الكنيست قد اعتبرت السيغد عيدا رسميا في دولة إسرائيل، والذي يحيى اليوم في متنزه “أرمون هناتسيف” في أورشليم، والمشرف على البلدة القديمة، بمشاركة شخصيات بارزة من الطائفة ومن جميع أرجاء البلاد.

أصول العيد ليست واضحة، لكن جميع التقاليد تشير إلى أنه يستلهم من التجمعات التي حصلت في أيام الهيكل الثاني والعودة لصهيون والمذكورة في سفر عزرا ونحميا:

وَفِي الْيَوْمِ الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ هذَا الشَّهْرِ اجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِالصَّوْمِ… وَوَقَفُوا وَاعْتَرَفُوا بِخَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِ آبَائِهِمْ. وَأَقَامُوا فِي مَكَانِهِمْ وَقَرَأُوا فِي سِفْرِ شَرِيعَةِ الرَّبِّ إِلهِهِمْ رُبْعَ النَّهَارِ، وَفِي الرُّبْعِ الآخَرِ كَانُوا يَحْمَدُونَ وَيَسْجُدُونَ لِلرَّبِّ إِلهِهِمْ…”

قصة يهود اثيوبيا في العصر الحديث

امتاز يهود أثيوبيا بإخلاصهم التام وعشقهم العظيم لمدينة أورشليم المقدسة وأرض إسرائيل، وفعلا حاول البعض منهم الوصول إلى أرض إسرائيل في بداية القرن الماضي متأثرين بصحوة الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر. وفي أواسط القرن العشرين أقيمت مؤسسات صهيونية وإسرائيلية رسمية في البلاد، بعد عدة سنوات من اتصالات دارت بين الوكالة اليهودية ومندوبين من يهود إثيوبيا بدأوا يتدفقون على أرض الميعاد.

وفي سبعينيات القرن العشرين حرمت السلطات الأثيوبية النشاط الصهيوني في البلاد وصاعدت الإجراءات القانونية المضادة لليهود، الأمر الذي أقنع القيادة الإسرائيلية بضرورة بذل الجهود لجلب اليهود الأثيوبيين إلى أرض الأجداد. وبسبب تحريم النشاطات الصهيونية اضطر الموساد للتدخل في جلب بني “بيتا إسرائيل” إلى أرض الميعاد، في إطار عملية سرية، ضمنت رحلات جوية أطلقت من السودان. واضطر اليهود الأثيوبيين المشي على الاقدام ليصلوا إلى السودان، وكانت تلك رحلة صعبة جدا لسوء الظروف وبسبب الشمس الخارقة ومجموعات لصوص الصحراء. وفعلا وللأسف الشديد مات العديد من أبناء بيتا إسرائيل في ذلك الترحال القاسي، حيث أقامت الحكومة الإسرائيلية مؤخرا نصبا تذكاريا في جبل هرتسل يحيي ذكرى ضحايا الهجرة لإسرائيل الذين توفوا في الصحراء، كما وكرست الحكومة يوم تحرير أورشليم (الثامن والعشرين من شهر إيار العبري) لإحياء ذكرهم أيضا.

وحسب معطيات وزارة الاستيعاب عاد إلى إسرائيل أكثر من 40 ألف يهودي في إطار عمليات مختلفة سميت ب”عملية شلومو” (على اسم الملك سليمان) وعملية موشيه وإلى أخرها.

ويعيش في إسرائيل اليوم نحو 120 ألف يهودي من أصول أثيوبية ، يعيش معظمهم حياة صعبة قاسية بسبب صعوبة اندماج القادمين من مجتمع متدين قروي مع المجتمع المدني العلماني الإسرائيلي وبسبب تحديات اللغة العبرية التي لا يتقنها اغلبهم.

لكن الوضع في طريقه للتغيير، حيث أنّ هناك العديد من الجمعيات والمبادرات والتي كرست لراحة أبناء بيتا إسرائيل كما وأن العديد من أبناء الجالية يحتلون اليوم أماكن مهمة في مجالات الثقافة والرياضة والقانون وحتى في الكنيست.

في الصور: عيد السيغد، حقوق الصور: ويكيمديا، بني ودو، ويكيمديا

تعليقات