شخصيات غيرت التاريخ – عيسى المسيح، أهو المخلص أو النبي أم الخارج عن الدين؟

عيسى المسيح عليه السلام من أكبر الشخصيات تاثيرا على البشرية جمعاء وعلى الديانات السماوية الثلاث على وجه الخصوص. فما هي نظرة  الديانات الثلاث، المسيحية والإسلام واليهودية  إلى شخص عيسى (حسب الإسلام) أو يسوع (حسب المسيحية) أو يِشو (حسب اليهودية)

في الإسلام

وردت  شخصية عيسى 36 مرة في القرآن الكريم باسمه أو بلقب المسيح، ويعتبره الإسلام نبيا من سلسلة الأنبياء الذين أرسلوا إلى بني إسرائيل والعالم مع كتاب سماوي باسم “الإنجيل”، ليروج فكر توحيد الله وعبادته. كما وذكر في القرآن بأنه بدأ يتحدث من المهد وأنه صنع عدة معجزات مثل شفاء العمياء والمرضى وخلق الطير من الطين. وجاءت في القرآن قصة ولادة عيسى لأمه مريم من كلمة الله فقط كما وجاء في القرآن الكريم أنه لم يصلب ولم يكن ابن الله بخلاف معتقدات الدين المسيحي.

والجدير بالذكر أن قصص محاربة عيسى ضد الدجال لم ترد في القرآن بل جاءت في الأحاديث، والمثير للإهتمام أن الدجال نفسه لم يُذكر قط في القرآن. وذكر في الأحاديث أن عيسى سوف يأتي في آخر الأيام ليحارب الدجال وليكسر الصليب وليضع الجزية. ويصف الحديث أيضا شكل ومنظر عيسى وجاء أيضا أنه سوف يصلي وراء المهدي بعد مجيئه.

ومن المثير للإهتمام أن المفسرين المسلمين حاولوا أن يفسروا لقب عيسى، “المسيح”، على أشكال مختلفة، مثل الطبري الذي قال أنه سمي كذلك كون الله طهره من خطاياه، أو البغوي الذي أشار إلى أصل الاسم من كلمة “يسيح” بسبب سير عيسى في العالم، لكن المفسر التونسي الحديث ابن عاشور عاد إلى الأصل العبري للكلمة “ماشياح” التي تعني بالعبرية “الممسوح (بالدهن)” وهو لقب لملوك بني إسرائيل بسبب طقوس تتويجهم التي اشتملت على مسحهم بالدهن المقدس.

في المسيحية

إن شخصية عيسى، تعتبر في الدين المسيحي ركنا أساسيا لتعاليم هذا الدين فهو يسمى لدى المسيحيين ب”يسوع” أو “يشوع” أي المخلص علما بانه يشكل جزءا لا يتجزأ من الثالوث المقدس والمكون من الأب والابن وروح القدوس، وهي المكونات الثلاث لانجلاء الرب في العالم. ووفقا للمسيحية يمثل يسوع ابن الرب والملك الممسوح (لذا يسمى ب”مسيح”) والذي ضحى الله به لأجل تطهير البشرية من ذنوبها.

وحسب كتاب العهد الجديد، والذي سمي باللغة اليونانية ال”إفانجيليون” وهو أصل الكلمة العربية “إنجيل”، ولد يسوع في بيت لحم اليهودية لمريم العذراء من سلالة الملك داود دون أن يمسها رجل، وعلى مر السنوات بدأ يخاطب الجماهير ويجذبهم بسبب كثرة حبه للجميع وإثارته للأمل في صفوف الفقراء والمرضى، وعمل معجزات كثيرة مثل بث روح الحياة في جثة لعازر الهامدة وإشفاء المرضى والمشي على سطح مياه بحيرة طبريا. كما وانتقد يسوع وبشدة المؤسسات الدينية اليهودية في حينه وعلى رأسها كهنة الهيكل في أورشليم واصفا إياهم بالفساد.

وفي نهاية أيامه خانه أحد طلابه الـ12 باسم يهودا إيش كرايوت ( الأسخيوطي) لينقل اسمه إلى ممثل سلطة الرومان (بونتيوس بلاتوس) حيث اتهمه بالتمرد عليهم، الأمر الذي أثار غضب الرومان ليأمروا بإعدامه صلبا. لكنه بعد ثلاثة أيام  من دفنه اكتشف بأن قبره فارغا، لينجلي مرة أخرى امام انصاره ثم يرحل إلى السماء. وقد أثارت مسألة شخصية يسوع خلافات في داخل الكنيسة المسيحية حول الطابع الإلهي له مما أدى إلى انشقاقها عام 451 م. ويؤمن المسيحيون أن يسوع هو “المسيح” أي المخلص الإلهي للبشرية ككل، حيث ينتظرون مجيئه الثاني في آخر الأيام.

في اليهودية

خلافا للإسلام الذي يرى فيه نبيا وللمسيحية التي تعتبره مخلصا وابنا للرب، فاليهودية لا تعتبر عيسى، والتي تسميه ب”يشو” شخصا مقدسا، بل بالعكس – أنها تنتقده وطلابه لتوعية أفكار مضادة للتوحيد ضمن المؤمنين منها كونه ابن الله (لذا اليهودية لا تعتبر المسيحية دينا توحيديا) إضافة إلى الانتقادات الواسعة التي وجهها إلى الحاخامين والمؤسسات اليهودية. وأدت الانتقادات العديدة ليشو إلى تسميته في التلمود “أوتو هائيش” أي “ذات الرجل” دون ذكر اسمه. والجدير بالذكر أن هناك عدة قصص عنه في التلمود (الذي تم تأليفه نحو 500 سنة بعد وفاة يشو) لكنه تم حذف معظمها  من التلمود من قبل الرقابة المسيحية القاسية في القرون الوسطى بسبب سلبيتها. وبقيت منها عدة قصص ومنها أن يشو كان تلميذ الحاخام يهوشع بن براحيا إلا أنه فد خرج عن تعاليم ووصايا الديم اليهودي ثم أبدى رغبة في التوبة فرفضه الحاخام بن براحيا مما حدا بيشو إلى الانشقاق عن الدين اليهودي في تعاليمه.

لكن على الرغم من الاستياء اليهودي القديم من يشو يجدر بالذكر أن الفيلسوف والحاخام والمفكر الأبرز من القرن الـ11، موسى بن ميمون، وجد في أعماله نقطة إيجابية لتمهيده الطريق لتوحيد الرب وعبادته، كما جاء في كتابه “هاياد هاحازاكا”:

كل هذه الأمور ليسوع النصراني… جاءت لتمهد الطريق للمسيح ولأجل إصلاح العالم ليعبد الرب وحده فقط.

وخلاصة القول رأينا أن هناك ثلاث وجهات نظر مختلفة بالنسبة إلى  نفس الشخصية  الكبيرة. ولكن رغم هذه الخلافات يجدر بنا أن نحذو حذو  الحاخام موسى بن ميمون وأن نجد نقط الإلتقاء البناءة بين الديانات بدلا من الصراعات العاقرة، ونذكر أنه لا أكراه في الدين والإيمان ولا بديل للإحترام المتبادل.

 

تعليقات