شهر رمضان في القدس: أنوار فوق زهرة المدائن

( حصري لموقع المغرد من مجدي عبد الوهاب)

ما أن انتهى مهرجان الأنوار في القدس حتى حل شهر رمضان بما يحمله من معاني الإيمان والخير والبركة والرحمة، فكل من يزور القدس وبالأخص البلدة القديمة يشهد أنها زهرة المدائن وبهية المساكن التي تتعانق فيها المعابد.

استعدت بلدية أورشليم القدس هذا العام لاستقبال شهر رمضان بنشر المصابيح الملونة وأعلام الزينة في مختلف أحياء القدس الشرقية وبتخصيص مجموعة متنوعة من الفعاليات حيث أقامت سوقا للباعة المتجولين عند مدخل أم طوبا ووزعت كوبونات طعام للمحتاجين، ويقول رئيس بلدية أورشليم القدس نير بركات:” لقد استثمرنا هذا العام بشكل غير مسبوق في تحسين ملامح المدينة والبنية التحتية وإنتاج الفعاليات والمهرجانات الثقافية تكريماً لشهر رمضان المبارك ولرفاهية السكان” وقد انعكس ذلك على السكان الذين عبّروا عن رضاهم عن هذه الخدمات، حيث تحدث عامر الشويكي من حارة السعدية الى موقع المغرد: “ما قدمته البلدية وبشكل خاص هذا العام من خدمات في شهر رمضان كان غير عادي، و برز بتنظيف مختلف الشوارع وإنارة الأحياء وتنظيم دوريات متطوعين لتوجيه وإرشاد المصلين وتخصيص مواقف مجانية للسيارات وخاصة أيام الجمعة”.

 مدفع رمضان – ارث حافظ على أواصر العلاقات الدينية

ولأجواء القدس في شهر رمضان عبق خاص يعود بسكانها وزائريها إلى مئات السنين، حيث يمكن مشاهدة فرق الإنشاد المقدسية وخاصة الصوفية التي تنظم المسيرات التي تجوب شوارع البلدة القديمة، هذا غير التقاليد الأخرى التي لا زالت حية نابضة فيها مثل مدفع رمضان، الذي له قصة خاصة في القدس، فهو ارث عثماني قديم يعود لمئات السنين وتتولى عائلة صندوقة الإشراف عليه منذ عقود، وحدثنا رجائي صندوقه الذي يتولى إطلاق المدفع منذ 30 سنة: “أعتبر ضرب المدفع كنزا، فأنا اعتدت طوال تلك السنوات على ضربه في رمضان، حيث أتوجه كل أيام الشهر إلى مقبرة باب الساهرة في شارع صلاح الدين وسط القدس قبل نصف ساعة من موعد الإفطار لضربه وكذلك فجرا لضربه عند مدفع آذان الفجر، وكذلك في أول أيام العيد”، وقد حرصت بلدية أورشليم القدس على الحفاظ على هذا الإرث، حيث أن رئيس البلدية نير بركات يحرص بنفسه على القدوم والمشاركة في إطلاق المدفع في أول أيام رمضان .

رجائي صندوقة يضرب مدفع رمضان

الحركة التجارية بطيئة والجمعيات الخيرية ناشطة

وما ان يدخل أسواق المدينة العتيقة حتى يرى كل أصناف الأطعمة والفواكه والخضراوات والعصائر من التمر هندي والعرق سوس والخروب وقمر الدين، ولا ننسى الحلويات من كلاج وبقلاوة وزنود الست وعلى رأسها طبعا القطايف، ويقول صانع القطايف الشهير شاهين ” نحن ننتظر شهر رمضان لبيع القطايف فهي الحلوى الخاصة بشهر رمضان ويقبل عليها الناس كثيرا، فلا يوجد ألذ وأشهى من القطايف بالجبنة أو بالجوز المغمورة بالقطر”.

قطايف القدس

ولا تغيب طبعا اللحوم عن المشهد، حيث يقول اللحام محمود زاهدة في حديث لموقع المغرد :” يتزايد الإقبال على شراء اللحوم بشكل كبير جدا فالعائلات تحرص على الطهي كل يوم كما أن الولائم لا تتوقف طوال الشهر، ولكن السكان يعانون من ضيق الرزق في هذه الأيام، ونرى كثير من العائلات المستورة التي لا تقدر على شراء اللحوم ،حيث يبلغ  سعر الكيلو غرام من لحم الضأن أكثر من تسعين شيكلا، ولهذا يستعين الناس بشراء اللحوم المجمدة التي يصل سعر الكيلو غرام منها إلى 35 شيكلا “.

في رمضان يرتفع استهلاك اللحوم

في رمضان يرتفع استهلاك اللحوم

المقدسيون يعانون ضنك العيش الشديد وهذا ما شرحه التاجر سميح أبو رميله: ” يأتي الزبائن ويشترون الحاجات الأساسية فقط فالكثيرون يحتاجون لمساعدات بسبب ارتفاع الأسعار وبسبب تراجع تحويلات الأقارب المالية من منطقة الخليج والسعودية ولا يقدرون على شراء الخضار والخبز حتى في أوقات متباعدة”، ولهذا تكثر الجمعيات التي تقدم المساعدات للسكان في شهر رمضان، مثل اللجنة القطرية والجمعيات العشائرية مثل جمعية آل دويك ورابطة آل السلامية، ويقول خالد ابو عصب وهو احد المشرفين على أعمال توزيع المساعدات: ” نجمع أولا المساعدات من أهل الخير وثم نقوم بتوزيع كوبونات على المحتاجين لشراء الحاجات الأساسية مثل الخبز، كما نجهز أطباق طعام كل يوم  لتوزيعها، وخاصة في الحرم القدسي وفي التكايا مثل تكية خاصكي سلطان وتكية فاطمة خاتون، حيث يأتي كل يوم الآلاف لتناول وجبة الإفطار فيها، ومشهد الأطفال وهم مقبلين على هذه الوجبات مؤلم جدا، فآمل أن يتحسن الوضع ونعود إلى أيام زمان”.

شهر رمضان وذكريات اليهود

ورغم ضيق الحال يتزاحم المقدسيون في حواري وأزقة البلدة القديمة للتبضع والمتاجرة ، كما يأتي كثير من اليهود وخاصة القادمين من شتات شرقي للتسوق، ويقول التاجر ماجد الكالوتي متحدثا لموقع المغرد ” يأتي الكثير من اليهود أيام شهر رمضان وخاصة من ذوي الأصول الشرقية وهم عادة يتحدثون معنا بالعربية ويحدثوننا عن ذكريات الماضي وكيف كانت الجارات المسلمات أيام شهر رمضان يرسلن إليهم الأطباق بكل ما لذ وطاب قبل ان يضرب المدفع، كما يحدثوننا عن وصفات الطعام الشرقية، ومنهم من يحدثنا عن التشابه بين أجواء رمضان في البلدة القديمة والأجواء في أسواق سوريا ومصر، فهم يأتون لتعود بهم الذاكرة إلى ايام الماضي الجميلة”، هذه النوستالجيا في القدس تجعل منها في شهر رمضان مركزا روحيا دينيا فريدا يجمع كل الديانات.

تعليقات