الكاشير والحلال في اليهودية والإسلام: قواسم مشتركة

توجد في الديانتين اليهودية والإسلامية قواعد مشتركة تتعلق بالطعام وتناول اللحوم من حيث الحيوان وطريقة ذبحه. لكن ما هو أصل قواعد الغذاء لدى اليهود وكيف تطورت؟

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

من أبرز السمات المشتركة بين الديانتين اليهودية والإسلامية أن كلاهما تحرمان تناول لحم الخنزير. لكن قليلين يعلمون أن نظام القواعد الغذائية في اليهودية يتكون من سلسلة طويلة من البنود والمحرمات. ويطلق على الأكل المسموح تناوله وفقا للهلاخاه (الشريعة اليهودية) اسم “كاشير” أو “كوشير” أي “ملائم” أو “مناسب”، بمعنى “مناسب للأكل بموجب الهلاخاه”. والمصطلح المقابل في العربية هو حلال وفيما يلي سنتناول أبرز تلك القواعد وتطورها وأسبابها المختلفة.

تحريم تناول اللحم حتى أيام النبي نوح

وفقا للتقليد اليهودي، حرم الرب تناول اللحم منذ أن خلق آدام وحواء وحتى أيام نوح عليهم السلام. وسُمح لنوح بأن يأكل اللحم لأول مرة بعد خروجه من السفينة حسب ما هو مذكور في سفر التكوين، الإصحاح الـ9:

وَبَارَكَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ.  وَلْتَكُنْ خَشْيَتُكُمْ وَرَهْبَتُكُمْ عَلَى كُلِّ حَيَوَانَاتِ الأَرْضِ وَكُلِّ طُيُورِ السَّمَاءِ… كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا. كَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ الْجَمِيعَ. غَيْرَ أَنَّ لَحْمًا بِحَيَاتِهِ، دَمِهِ، لاَ تَأْكُلُوهُ.

تشمل هذه الآيات، إضافة إلى السماح للإنسان بتناول اللحم، أمرا مهما جدا بالنسبة لليهودية، وهو واجب ذبح الحيوانات قبل تناول لحمها تجنبا لتعذيبها وسعيا لإلحاق أقل ضرار ممكن، مثل ما هومنصوص عليه في الإسلام.

قواعد إضافية لبني إسرائيل

بعد نوح بمئات السنوات ذكر الرب لبني إسرائيل الحيوانات المسموح لهم أكلها وتلك المحرم عليهم تناول لحمها، وذلك في سفر اللاويين 11:

وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلاً لَهُمَا: كَلِّمَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ: هذِهِ هِيَ الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي تَأْكُلُونَهَا مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: كُلُّ مَا شَقَّ ظِلْفًا وَقَسَمَهُ ظِلْفَيْنِ، وَيَجْتَرُّ مِنَ الْبَهَائِمِ، فَإِيَّاهُ تَأْكُلُونَ..  وَهذَا تَأْكُلُونَهُ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي الْمِيَاهِ: كُلُّ مَا لَهُ زَعَانِفُ وَحَرْشَفٌ فِي الْمِيَاهِ، فِي الْبِحَارِ وَفِي الأَنْهَارِ، فَإِيَّاهُ تَأْكُلُونَ…

وَهذِهِ تَكْرَهُونَهَا مِنَ الطُّيُورِ. لاَ تُؤْكَلْ. إِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ…

تشرح هذه الآيات المهمة والآيات التالية أجناس الحيوانات المسموح بأكل لحمها حسب علامات وصفات معينة كما ذكر أعلاه، أما باقي الحيوانات فلا يجوز أكلها وهي محرمة على اليهود ومنها الخنزير والجمبري وسرطان البحر.. والخ. وفي الهلاخاه يطلق على الحيوانات المسموح بتناول لحمها “تيهوروت” أي “النقية” أما الحيوانات المحرم تناولها فتسمى بـ”تميئوت” أي “النجسة”.

وتسمح الهلاخاه بتناول جميع المنتجات الحيوانية، مثل الحليب واللبن والجين بشرط أن يكون مصدرها الحيوانات “النقية” السالفة الذكر. وهذا يعني أنه يحرم تناول حليب الناقة، على سبيل المثال، كون لحم الجمال محرم أيضا لآنه غير كاشير.

عظام الخنزير لتمييز المدن الكنعانية عن اليهودية

أما عن تحريم تناول لحم الخنزير، فقال الحاخامون الأوائل (حازال) إن الخنزير يشبه الحيوانات المسموح بأكل لحمها وفقا للهلاخاه حيث يحمل العلامات الخارجية المناسبة (الظلفين)، لكنه لا يحمل العلامة البيولوجية الداخلية وهي الاجترار، وكأنه يحاول أن يخدع الناس ليأكلوه. لذلك يعتبر الخنزير في اليهودية من أنجس الحيوانات. وجدير بالذكر أن الاكتشافات الأثرية في البلاد تشير إلى تمسك بني إسرائيل بهذا القانون، ففي عدة مدن قديمة في البلاد تم العثور على عظام أنواع مختلفة من البهائم باستثناء عظام الخنازير، وهذا ما يميز بين المدن الكنعانية واليهودية القديمة.

وفي الاسلام أيضا تم ذكر نفس التحريم لتناول لحم الخنزير والحيوانات التي تذبح لغير الله، في سورة البقرة الآية 173:

إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

تحريم تناول اللحم واللبن مع بعضهما

إضافة إلى هذه الوصايا نجد في الكتاب المقدس أمرا آخر مهما جدا يتعلق بالغذاء، تم ذكره 3 مرات في التوراة، على سبيل المثال في سفر الخروج 23:  “لاَ تَطْبُخْ جَدْيًا بِلَبَنِ أُمِّهِ”.

لقد وقف الحاخامون الأوائل (حازال) على أهمية الآية كونها تتكرر ثلاث مرات في الكتاب المقدس، وفسر حازال هذه الآية بثلاثة تحريمات: تحريم طبخ أي نوع من اللحم مع أي نوع من منتجات الألبان والحليب، وتحريم تناولهما مع بعضهما، وتحريم استعمالهما وهما مختلطين لأي غرض كان.

كما تنص الهلاخاه على واجب انتظار عدة ساعات بين وجبات اللحوم والألبان لتجنب اختلاطهما حتى في المعدة. وينتظر اليهود الغربيون (الأشكناز) 3 ساعات بين وجبات اللحم واللبن أما اليهود الشرقيون (السفراديم) فينتظرون 6 ساعات بين الوجبتين!

ولدى اليهود المتدينين والمحافظين مجموعتين من الصحون وأدوات المائدة، وأحيانا ما يزودون مطابخهم بفرنين وحتى بمغسلتين: إحداهما لمنتجات اللحوم، والأخرى لمنتجات الحليب.

قواعد إضافية 

تشمل القواعد الغذائية سلسلة من البنود الإضافية الملفتة للنظر:

فمثلما هو في الإسلام، تحرم اليهودية أيضا تناول دم الحيوانات، وتفرض امتصاص الدم من اللحم برشه أو غمره بالملح.

وتفرض الشريعة اليهودية “الهلاخاه” التبرع بـ 10% من المحاصيل الزراعية التي تم زرعها على أرض إسرائيل للفقراء والكهنة، وتحرم تناول الفواكه والخضار التي لم يتم التبرع بهذه النسبة منها.

لكن خلافا للإسلام، تسمح اليهودية بتناول النبيذ والخمر، لكنها تشترط أن يكون الصانع يهوديا، خشية استخدام تلك المشروبات بغاية عبادة الأصنام والشرك بالله، وهو أمر محرم لدى اليهود والمسلمين على حد سواء.

كما هناك من لا يتناول المأكولات التي طبخها غير اليهود خوفا من عدم معرفتهم بقواعد الكاشير.

وتوجد قواعد إضافية تتعلق بالغذاء والطعام، لكن المهم هو معرفة أن الديانتين الإسلامية واليهودية متشابهتين وكلاهما تطالبان بعبادة الرب والالتزام بوصاياه!

تعليقات