مخطوطات القمران – أصداء من الماضي العبري في أرض إسرائيل

هل تعلمون أن طائفة يهودية زاهدة سرية عاشت في صحراء النقب قبل أكثر من ألفي عام، وأن أتباعها تركوا وراءهم مكتبة ضخمة من آلاف المخطوطات المتنوعة، منها أسفار من الكتاب المقدس اكتنفها الغموض حتى القرن الـ20؟

المميز في هذه المكتشفات الأثرية الشيقة والمثيرة للاهتمام من القرن السابق، هو اكتشاف مخطوطات “القمران”، أو مخطوطات (صحراء يهوذا) في الصحراء الإسرائيلية، من عملية كشفها ودراستها ومضامينها المختلفة.

اكتشاف المخطوطات

وفقا لموقع متحف إسرائيل، فإن المخطوطات السبع الأولى عثر عليها بالصدفة في العام 1947 بدو رحل بين الكهوف والمغارات في منطقة البحر الميت. إن المخطوطات، والتي رسمت على أوراق البرشمان، كانت محفوظة في جرات فخارية، وبقت محفوظة في بجودة عالية بفضل الطقس الصحراوي اليابس والجو البارد نسبيا السائد في الكهوف. باع البدو عددا من تلك المخطوطات لعالم الآثار اليعيزر سوكنيك لأجل دراستها، ما أدى إلى إرسال بعثات من علماء الآثار والباحثين والمؤرخين العالميين للمكان للبحث عن المزيد من الكهوف والمخطوطات، بين الأعوام 1948-1967 عندما كانت المنطقة خاضعة لسيطرة الأردن.

وعلى مر السنين عُثر على 11 كهفا ضمت أكثر من 900 مخطوطة، وكانت أغلبيتها الساحقة باللغة العبرية القديمة لكن بعضها كانت أيضا ترجمات للغة الآرامية وحتى أجزاء صغيرة بالإغريقية، وشملت كل الأسفار من الكتاب المقدس باستثناء 2 منها، إضافة لمؤلفات لم تكن معروفة حتى ذلك الوقت، مثل كتب عن طوائف يهودية وعقود اجتماعية وتفسيرات للأسفار المقدسة وترانيم الشكر والتمجيد للرب ورؤية اليهود بالنسبة للهيكل في أورشليم مستقبلاً. وتضمنت كذلك كتب مترجمة الى مختلف اللغات من العبرية، فيما ضاعت النسخ الأصلية على مر القرون. ويعود تاريخ تلك المخطوطات للفترة ما بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي. هذه الحقيقة افضت الى تلف أجزاء من هذه المخطوطات بسبب التغييرات المناخية والجيولوجية.

طائفة الأسينيين

مع عملية دراسة المخطوطات أصبح واضحا أنها لا تعود إلى الإجماع اليهودي الذي عاش في أرض إسرائيل في ذلك والوقت، والذي كان يسير حسب “التناخ” (العهد القديم) و”الهلاخا” (الشريعة اليهودية)، كون الكتاب يتبعون تفسيرات إضافية ويتمسكون بعقائد مختلفة تماما. ومن المعتقد بأن تلك الطائفة هي طائفة الأسينين والتي تم ذكرها في كتابات المؤرخ الروماني اليهودي من القرن الأول، يوسفوس فلابيوس.

وفقا للمخطوطات التي عثر عليها، فإن الأسينين (أو “طائفة صحراء يهودا” كما يطلق عليهم في البحث) كانوا يؤمنون بأنهم يمثلون الدين الحقيقي، والذي تم إفساده من قبل المؤمنين الأخيرين، ما أدى إلى عزوفهم الى الصحراء بهدف ممارسة حياة تقشف، البعيدة عن المدن والجماهير. ومن تآليفهم البارزة كان مخطوطة “حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام”، والذي يشرح فيه إيمانهم بأنهم أبناء النور الذين سوف يحاربون ما سموه بأبناء الظلام في الآخرة.

كما وألف أتباع الطائفة عقود اجتماعية (بلغتهم: “سيرخ”) والتي شرحت النهج المتوقع من التابعين لها، بما في ذلك معايير قبول الأعضاء الجدد، والنهج خلال تناول الوجبات المشتركة، وتمسكهم بالاشتراكية شبه التامة في كل ما يملكونه.

عرضها في أيامنا باستخدام الرموز

تعرض المخطوطات في أيامنا في متحف إسرائيل الواقع في جفعات رام في أورشليم، بجانب الكنيست ومكاتب الوزارات الحكومية، بين مبنى خاص باسم “هيخال هاسيفير” (قاعة الكتاب)، أقيم في عام 1965 خصيصا لمهمة الحفاظ عليها وقت عرضها. ووفقا لموقع المتحف، فإن القبة البيضاء على رأس المبنى ترمز للفخار الذي عثر فيه على المخطوطات، والنقيض بينه وبين المبنى الأسود يرمز إلى فكرة أبناء النور وأبناء الظلام. إضافة لذلك، بإن الممر المظلم المؤدي للقاعة يمثل الكهوف التي اكتشفت فيها المخطوطات.

الصور والمعلومات متاحة على الإنترنت

والجدير بالذكر أن عمر المخطوطات الطويل يحتم التعامل معها بدقة وبراعة فائقة، ما دفع بإدارة المتحف الى عرضها بالمناوبة، حيث يتم تغيير المعروضات في هيخال هاسيفير بين فترات تتراوح بين 3-6 أشهر. وفي السنوات الأخيرة قرر متحف إسرائيل أن يقوم بمبادرة مسح المخطوطات عبر الإنترنت، لتتاح للجميع في كل أنحاء العالم (يمكن إيجاده في موقع متحف إسرائيل).

تمثل هذه المخطوطات صدىً يتردد من الماضي اليهودي العبري البعيد في أرض إسرائيل، لا يخلو من تعددية المذاهب اليهودية التي تتميز بها إسرائيل في عصرنا هذا، ناهيك عن الأدلة القاطعة والإضافية لحقيقة أن هذه الأرض كانت تتحدث العبرية منذ العصور الغابرة.

تعليقات