بلدة عربية صغيرة تسجل رقما قياسيا بعدد الأطباء

يبلغ تعداد بلدة عرابة 24 الف نسمة فيما يمتهن  فيها 150 مهنة الطب بمعنى لكل الف نسمة هناك 6 اطباء وهي نسبة فلكية بكل المعايير

مقبولة نصار*

أقيمت مؤخرا حفلة استقبال في قرية عرابة الجليلية بمناسبة عودة ثلاثين من خريجي وخريجات الطب من دول أوروبا الشرقية والأردن، وهي ليست معلومة عرضية ولا هي دفعة استثنائية من الخريجين، فقد تخرج في العام الماضي أيضا 26 طالب طب من أبناء نفس القرية، فيما نجح في امتحان الترخيص التي أجرته وزارة الصحة الإسرائيلية في تشرين الثاني / نوفمبر الماضي 14 خريجة وخريج من عرابة دفعة واحدا. تقوم قريتي بإنتاج الأطباء بكميات تجارية، وفيما يمتلئ صدري بفخر المواطن بمسقط رأسه، سأحاول تفسير هذه المعجزة الطبية.

لقد أصبح معروفا عن العرب تثمينهم لمهنة الطب، فنحن نريد ابنا طبيبا أو صهرا طبيبا، أو شراء سيارة من طبيب، ولكن ثلاثين طبيبا في السنة الواحدة في بلدة يبلغ تعدادها 24 ألف نسمة يمثلون حبا عارما وجديرا بالدراسة، وهي نسبة فلكية، خاصة وأن نسبة تخرج الأطباء في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تبلغ نحو 11.2 طالب لكل مئة ألف شخص كمعدل سنوي، فيما تبلغ هذه النسبة في إسرائيل 3.8 فقط. ويتبين أن في القرية ما يزيد عن 150 طبيبا مرخصا لهم يزاولون مهنة الطب فعلا، أي ما يربو على ستة أطباء لكل ألف من السكان، وهو رقم يقترب من نسبة الأطباء في كوبا التي تعتبر الأولى في العالم في هذا المجال، وبعيد جدا عن المعدل الإسرائيلي ومعدل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية واللذين يتراوحان حول 3.3.

هذه البيانات لا تشمل العشرات الذين عادوا إلى إسرائيل هذا الأسبوع أو أولئك الذين ما زالوا يدرسون ويتوقع تخرجهم خلال السنوات القليلة القادمة، بمن فيهم البنات الطبيبات اللاتي تعتز بهن أسرهن تماما مثلما تعتز بالابن الطبيب. على أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الأطباء، بل تشمل علماء النفس وأطباء الأسنان والصيادلة، وقد تبرر مثل هذه البيانات أن ينتقل مقر وزارة الصحة إلى عرابة…

لا شك أن الجهاز الصحي الإسرائيلي مدين بالشكر للأم العربية التي تصمد بكل فخر واعتزاز ست سنوات من الدراسة المضنية الغالية والتي ترفد السوق بمئات الأطباء الذين نحن بأمس الحاجة إليهم، وتقدم مئات الآلاف من الشواكل وذلك بدون أي منح دراسية أو دعم مالي تقريبا، وسوف تبقى هذه الأم داعمة ومشجعة وتواصل كي المعطف الأبيض ولن يردعها لا أجور المتدربين ولا الشفتات الطويلة، ولا لجنة غيرمان ولا الضائقة التي يعانيها مستشفى هداسا، كما أن الهايتك لا يبهرها، فلا شيء أسمى من الطب، الذي يعدّ رمزا من رموز المركز الاجتماعي من جهة ومهنة مربحة من جهة ثانية تحقق اثنين من أهم الأمور التي ينقصها العرب، ألا وهما الفخر والبقاء.

ومن السهل تفهم الأم العربية والأب العربي اللذين يدخران الأموال طوال حياتهما من اجل هذه اللحظة، فهما يعرفان مدى تدني فرص الولد أو البنت في القبول في شركة هايتك أو النجاح في المجال المالي أو حتى التعين في منصب عام كبير. أما النقص في الأطباء فيجعله من الصعب التمييز ضد الأطباء العرب، ولذلك سيبقى الطب المسار الآمن، وإن كان بطيئا، للبقاء والحركية الاجتماعية.

هؤلاء الشباب مثلهم مثل آبائهم يدركون الواقع، ومن حسن حظنا أنهم لا يسمحون لامتحان منحاز ثقافيا مثل امتحان “البسيخومتري” (هو الامتحان الذي تجريه الجامعات الإسرائيلية لتحديد نسبة ذكاء وثقافة المرشحين للقبول في أقسامها المختلفة) بالحيلولة بينهم وبين تحقيق الحلم، لتبعث بهم أداة الانتقاء التمييزية إلى دول من أمثال رومانيا ولاتفيا وتشيكيا، والمنتمية إلى نفس الكتلة الشيوعية التي كانت تمول وتستضيف الطلبة العرب فيما مضى، وتعرض عليهم اليوم تشكيلة من الجامعات الحكومية والخاصة الجيدة المستوى والتي تجري الدراسة في بعضها باللغة الإنجليزية. وإلى هذه القائمة ينضم الأردن باعتباره وجهة مفضلة يقصدها الراغبون في دراسة المهن الطبية. تبلغ نسبة المقبولين في الطب في إسرائيل واحدا من كل أربعة مرشحين، فيما يغادر نحو 500 طالب آخر سنويا إلى الخارج لدراسة الطب، ولا يعود إلى البلاد إلا نصفهم، أما الأطباء العرب فيسرعون للعودة.

هذا بالضبط ما فعله طبيب قريتنا الأسطوري د. حاتم كناعنة وكان من أوائل الأطباء في الجليل، والذي اختار في نهاية الستينات وبعد عشر سنوات من الدراسة والتخصص في جامعة هارفرد الأمريكية العودة إلى قرية لا كهرباء فيها واعتبر ذلك عملا بطوليا، حيث حظينا بشخصية مثالية وطبيب رائع خدم منطقة الجليل بأسرها. ولم يمارس معالجة المرضى فحسب، إنما اهتم بالتوعية، فغير تصورات تقليدية خاطئة للصحة، وكنت أنا في طفولتي اسمع الأمهات في حارتنا وهي تتلو تعليماته.

1024px-Arabenorth

وكان في 1982 قد أسس جمعية الجليل سعيا وراء إيصال الصحة إلى سكان القرى غير المعترف بها في النقب والجليل، ولسنوات ظلت هذه الجمعية تسيّر عشرات العيادات المتحركة وتوفر التطعيم لأطفال هذه القرى، ولا توجد أم غير راغبة في ابن يماثل “الدكتور حاتم” حريصةً، وهي تنطق كلمة “دكتور”، على إضافة ال التعريف. وفي تلك الفترة كان الدكتور حاتم قد لخص تجربته كطبيب في الجليل ضمن كتاب نشره بالإنجليزية، حيث يستمتع اليوم بكل دقيقة يخصصها للتأليف وممارسة هوايات المتقاعدين، إذ قد أكمل تأدية واجبه.

وإن كنا حتى هنا أرجعنا المعجزة الطبية التي تعيشها عرابة إلى الأم المشجعة والدولة المشجعة على مغادرتها والنموذج المحتذى به، إلا أنني مع ذلك لا أستبعد الغيرة العلمية كعامل مساهم في هذه الظاهرة، وقد يفاجأ القارئ بوجود غيرة علمية في القرى العربية وفي هذه الحالة بالذات هي غيرة قوية تكون أحيانا غيرة عشائرية، ولا يمكن إنكار وجود ضغط اجتماعي أيضا وإيمان بالفرضية النمطية التي تعتبر أي مهنة أخرى أدنى منزلة من الطب، ويرجح ألا يحظى الطفل الذي يريد أن يصبح مخرجا بمثل هذا التشجيع، وهو سيموت جوعا على أية حال في عصر ميري ريغف (وزيرة الثقافة الإسرائيلية).

وفي كل الأحوال لا شك أننا كمجتمع عربي نقدم مساهمة لائقة للجهاز الصحي الإسرائيلي سواء بالأمراض أو بالقوى البشرية، حيث لنا تمثيل جيد في الطرف لمعالج والطرف المتلقي للعلاج، ولكن ثمة سؤال: إذا كان لنا تمثيل استثنائي بين الأطباء من جهة وإذا كانت الأوضاع الصحية في المجتمع تدعو إلى الحزن، وكما هو معروف، من الجهة الأخرى، فلماذا لم تفكر الدولة يوما في إنشاء مستشفى جديد في مدينة عربية أو داخل تجمع سكاني عربي؟

لست أتوهم بأن دولة إسرائيل ستبدأ فجأة وبسبب عدد من الأرقام تبني قرية عربية كثروة صحية وهدف للتنمية، وإن يكن باعتباره حالة اختبار، هذا رغم أن عدد خريجي الطب في إسرائيل لا يتجاوز ال 400 في السنة، وهبطت نسبة الأطباء فيها بواقع 12% في الفترة ما بين سنتي 2000 و2012.

وباعتباري من أبناء قرية الأطباء أشعر اليوم بأن لي حقوقا زائدة تجعلني أبيح لنفسي وقاحة المطالبة بمستشفى في قرية عرابة بالذات وفي قلب الجليل، يكون بعيدا ما لا يقل عن 50 دقيقة عن أي مستشفى قائم في الجليل، من المستشفيات التي قصرت الدولة إقامتها على حدود الاستيطان اليهودي أو أهدافه، لكون هكذا مستشفى سيخدم العشرات من القرى والمدن العربية واليهودية الواقعة في منتصف الطريق بين صفد وحيفا من جهة، وبين طبريا ونهاريا من جهة ثانية.

فلماذا لا يسمى هذا المستشفى هذه المرة باسم طبيب عربي كبير قدم مساهمة للإنسانية جمعاء، كابن رشد أو البيروني؟ كم روحا سينقذ وكم ألم ومعاناة بيروقراطية سيوفر للناس وكم أسرة سيعيل. وإذا كان لدينا مثل هذا العدد من طلاب الطب، فلِمَ لا نؤسس كلية للطب إلى جانب هذا المستشفى، لنكسب القوى الحديثة العهد المفعمة بالنشاط من البداية؟ ولماذا يبدو لي أن كل ما كتبته الآن مجرد حلم؟

مع الشكر  لعوض دراوشة المراسل المحلي لصحيفة الصنارة الذي قام بمسح أعداد الخريجين في عرابة والتأكد من صحة البيانات. المقال نشر اصلا بالعبرية. *مقبولة نصار صحفية ومقدمة برامج إخبارية في إذاعة الشمس منذ عشر سنوات وناشطة سياسية ونسوية في المجتمع العربي الإسرائيلي.

 

تعليقات