المشترك بين الكنيس والجامع: يوفران اطارا ديينا وتربويا

إسم الكنيس اليهودي باللغة العبرية – “بيت كنيست” أي “بيت التجمع” – يدل على مكانته المهمة في الديانة اليهودية. فالكنيس ليس مكانا يقتصر على الصلوات فحسب، بل يمثل أيضا مركزا تربويا واجتماعيا. كيف تطورت فكرة الكنيس كمكان مقدس وكمركز هام في الحياة اليهودية؟ وما هي ملامح ومحتويات الكنيس؟ وأيضا: إكتشف اوجه الشبه بين المسجد والكنيس!

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

هناك العديد من الآثار الناطقة في الأرض المقدسة، التي تعتبر في نظر اليهود، رمزا للنهضة اليهودية في وطنهم الذين عادوا اليه بعد حقبة طويلة. ولعل كنيس الخربة هو من أبرز هذه الكنس التي أعيد بناؤها  في شرقي اورشليم القدس.

كنيس "هاحورفا" في البلدة القديمة في أورشليم يرمز لنهضة الشعب اليهودي بأرضه. حقوق الصورة: ويكيبيديا، Chesdovi ، CC BY-SA 3.0

كنيس “هاحورفا” في البلدة القديمة في أورشليم يرمز لنهضة الشعب اليهودي بأرضه. حقوق الصورة: ويكيبيديا، Chesdovi CC 3.0

في العام 1700 نزحت مجموعة من اليهود الاشكنازيم (الغربيين) لأورشليم بقيادة الحاخام يهودا هاحاسيد. وشرعوا ببناء كنيس ضخم يفوق قدراتهم المالية. إضطروا للإستدانة بغية انجاز مشروع البناء واقترضوا من جيرانهم المسلمين. وللأسف الشديد لم يتمكن اليهود من سداد ديونهم، مما دفع بالسلطات العثمانية بتدمير المبنى وطرد اليهود الاشكنازيم من أورشليم لمدة 100 سنة، لكنهم سمحوا لليهود السفراديم (الشرقيين) بالبقاء فيالمدينة.

وفي وسط القرن الـ19 رجع اليهود الأشكنازيم لأورشليم بأمر الحاخام إلياهو من فيلنا وأعادوا تأسيس الكنيس المدمر عام 1864 بعد الحصول على ترخيص رسمي من السلطات العثمانية. وسمي الكنيس ب”هاحورفا” أي “الخربة” إشارة لتدمير الكنيس القديم وبقي فاعلا لحين تدميره من جديد عام 1948 من قبل الجيش الأردني التي طردت أيضا جميع اليهود من البلدة القديمة. وبعد تحرير أورشليم عام 1967 أعيد بناء قوس الكنيس الرمزي، لكن لم يتم إعادة بناء المعبد حتى 2010، حيث  تم دشينه بغبطة واعتزاز.

ويعتبر تاريخ هذا الكنيس رمزا لانعاش ونهضة اليهود في وطنهم من جديد، رغم الصعوبات والتحديات.

أصول الكنيس

الكنيس كمكان للصلاة ليس مذكورا في الكتاب المقدس. ففي قديم الزمان، كان اليهود الراغبون بالصلاة يصلون في “خيمة العهد” التي بنيت في أماكن مختلفة ثم أو في الهيكل في أورشليم. واكتشفت على مر العقود الأخيرة مواقع أثرية عديدة في البلاد تدل على أن اليهود كانوا يستخدمون الكنس في عصر المملكة الحشمونائية، أي في نهاية فترة الهيكل الثاني (القرون الأولى قبل الميلاد).

وبطبيعة الحال بعد تدمير الهيكل وفقدان اليهود لموقع الصلاة المركزي (عام 70 ميلاديا) تنامى دور الكنس وشاعت هذه الظاهرة المزدهرة في الجاليات اليهودية المختلفة في جمع انحاء العالم.

الكنيس الكبير في بودابست

الكنيس الكبير في بودابست

القبلة: أورشليم

تمثل أورشليم القبلة الوحيدة للشعب اليهودي على مر العصور، لذا تتجه جميع الكنس والصلوات نحوها. ويقول تفسير ال”توسفتا” من القرن الـ2 ميلاديا (الاصحاح الـ3):

“من كان موجودا في الخارج فعليه أن يصلي باتجاه أرض إسرائيل… ومن كان موجودا في أرض إسرائيل فعليه أن يصلي باتجاه أورشليم… ومن كان موجودا في أورشليم فعليه أن يصلي باتجاه مكان الهيكل… ومن كان موجودا في مكان الهيكل فعليه أن يصلي باتجاه مكانة قدس الأقداس… فكل شعب إسرائيل يصلي باتجاه واحد.”

تعلم الحاخامون الأوائل هذا المبدأ من صلاة الملك سليمان عليه السلام بمناسبة تدشينه للهيكل (بيت هاميكداش)، والمذكورة في سفر الملوك الأول الاصحاح الثامن:

“ورجعوا اليك من كل قلوبهم ومن كل انفسهم… وصلوا اليك نحو ارضهم التي اعطيت لابائهم نحو المدينة التي اخترت والبيت الذي بنيت لاسمك”…

كما يذكر الكتاب المقدس أن النبي دانيال وجه صلاته من السبي البابلي باتجاه أورشليم. إذا، جميع الكنس متوجهة نحو أورشليم، عاصمة الشعب اليهودي منذ زمان.

الكنيس الكبير في فيينا (شتادتمبل). حقوق الصورة: ويكيبيديا، Dnalor 01

الكنيس الكبير في فيينا (شتادتمبل). حقوق الصورة: ويكيبيديا، Dnalor 01

والآن نتوقف مع أبرز ملامح ومحتويات الكنيس اليهودي:

آرون هاكوديش” وأسفار التوراة: يوضع ال”آرون هاكوديش” (التابوت المقدس) في الحائط المواجه لأورشليم، إشارة للقبلة باتجاه أورشليم على غرار مكان المحراب في المساجد. وتُحفظ في التابوت أسفار التوراة وعدة ملازمات إضافية. تجدر الإشارة الى أنه يشترط كتابة أسفار التوراة المستخدمة في الكنس بالحبر الأسود على برشمان مصنوع من جلد البقر، وينبغي أن يكتبها كاتب متخصص في هذا المجال يطلق عليه اسم “سوفير ستام”. وتعتبر هذه الأسفار مقدسة ويمنع لمسها باليد المجردة. كما يجب الحيلولة دون تمزقها وتعرضها للثقوب. وتوضع ستارة مزينة لتكريم التوراة والكنيس امام التابوت يطلق عليها “الباروخيت”. وعادة هناك من يتبرع بها لتخليد اسم احد المتوفين من عائلة المتبرع وينقش اسمه عليها.

الـبيماه” (المنبر): تنطلق من هذا المنبر قراءة التوراة والخطب وبعض الصلوات، لذلك يحدد موقعها على الأغلب في مركز الكنيس. ويبنى عادة المنبر بقاعدة مرتفعة قليلا عن سطح الأرض لإثبات أهميته ومركزيته في الكنيس. وهناك مقاربة بين البيماه والمنبر الإسلامي في المساجد.

عزرات ناشيم” (شرفة النساء): تنص الهلاخا على أن الرجال هم الذين يقودون الأمور الدينية في الكنيس خلال الصلوات لكن رغم ذلك هناك شرفة مخصصة للنساء أيضا. وتقع هذه الشرفة في بعض الكنس بالطابق الأعلى فوق طابق الرجال مع مشارف تمكن النساء من حضور الصلاة ومشاهدة شرفة الرجال، وفي بعض الكنس تبنى الشرفة بجانب شرفة الرجال يفصل بينهما حاجز يسمى ب”محيتسا”.

نير تاميد” (الشمعة الأبدية): عادة تشعل في الكنس شمعة واحدة أو أكثر لإحياء ذكرى أعضاء الجالية الذين انتقلوا إلى رحمة الله. كما توضع في أغلبية الكنس لوحة كبيرة مع اسماء المتبرعين  للكنيس والمجتمع.

كيسي إيلياهو” (كرسي النبي إيلياهو): حسب التقليد اليهودي، يحضر النبي إيلياهو  كل مناسبة ختان لدى يهود العالم “بريت ميلاه” (ختانالبنين) . وعادة يُحتفل بال”بريت” في الكنيس، حيث يجلس عراب الطفل على الكرسي المزين الذي يحمل اسم النبي ايلياهو.

معبد بن عزرا في القاهرة. حقوق الصورة: ويكيبيديا، Roland Unger

معبد بن عزرا في القاهرة. حقوق الصورة: ويكيبيديا، Roland Unger

تزيين الكنيس 

تعتبر الديانة اليهودية مثل الإسلام دينا توحيديا. وحرمت الوصايا العشر بصورة قاطعة رسم صور للرب عز وجل، خلافا للديانة المسيحية التي تسمح بذلك وتزين الكنائس على الأغلب بصور للمسيح والرب.

لكن مع ذلك تطور على مر القرون فن جميل في الكنس يضمن رسومات لأحداث مختلفة من الكتاب المقدس، ورموز الأسباط الـ12، ولوحتيْ العهد، وحتى علامات الأبراج الـ12 في عدة أماكن. وهذا خلافا للإسلام الذي يحرم رسم أي صور بين جدران المساجد بصورة مطلقة.

قدسية الكنيس

تعتبر الديانة اليهودية الكنيس مكانا مقدسا ابتداء من تدشينه. وحتى في حال وقف استخدام الكنيس أو تدميره ترى اليهودية في المكان موقعا مقدسا يجب التعاطي معه والتصرف داخله باحترام. وتجدر الإشارة الى أن قدسية المسجد في الإسلام تنبثق عن الصلاة فيه، بمعنى ان المسجد الذي لم يتم الصلاه فيها فترة طويلة يفقد قدسيته.

كنيس في سانت بطرسبرغ

كنيس في سانت بطرسبرغ

كنيس في براغ

كنيس في براغ

الكنيس كمركز تربوي واجتماعي 

إضافة الى كون الكنيس مركز عبادة فإنه يستخدم مركزا تربويا أيضا، حيث تُدرّس فيه خلال أيام الأسبوع وفي قاعاته دروس دينية للرجال والنساء والأطفال لأجل تقريب الجماهير من التوراة وتعليم الدين. ولا شك ان هناك تشابه بين وظيفتي الكنيس والاجامع الذي يجمع بين الناس للصلاة وتلقي الدروس الدينية.

ويمثل الكنيس مركزا اجتماعيا أيضا، إذ تنطلق تحت سقفه احتفالات متعددة منها بمناسبة الختان والبلوغ (“بار متسفاه”) والزواج. والى جانب قاعة الكنيس نفسها، هناك قاعات إضافية للاحتفال بهذه المناسبات الجميلة.

تعليقات