المغرب وإسرائيل: علاقات تاريخية بدأت بتعاون استخباراتي

على الرغم ممن الانتقادات الموجهة للمغرب تشهد علاقاتها مع إسرائيل المزيد من المؤشرات الإيجابية مع استئناف الرحلات الجوية بين إسرائيل والمغرب، واستضافة وفد إسرائيلي في مؤتمر المناخ الدولي في مراكش. ما الذي يميز المغرب في علاقاته مع إسرائيل؟

 خاص للمغرد / داود راشو

تشهد الاشهر الاخيرة زخما في العلاقات بين المغرب وإسرائيل حيث زار عدد من الصحفيين والأكاديميين إسرائيل فيما حضر وفد إسرائيلي رسمي في مؤتمرالمناخ الدولي في مراكش، مما اثار انتقادات حول تطبيع المغرب لعلاقاتها مع إسرائيل. وجاء الإعلان مؤخرا عن استئناف الرحلا ت الجوية بين إسرائيل والمغرب بعد توقف دام 13 عاما.

على الرغم من مرور هذه العلاقات بين مد وجزر، الا انها علاقات مميزة لها ابعاد تاريخية واستخباراتية وسياسية تسير على حبل رفيع.  فبعد استقلال المغرب عام 1956 في عهد الملك محمد الخامس تغيرت السياسة المغربية تجاه دولة إسرائيل وتم منع نشاط الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية التي كانت تنظم الهجرة إلى إسرائيل، ما دفع إلى الهجرة سرا وبأعداد محدودة. ظلت الأمور هكذا حتى عام 1961 حين غرقت سفينة “ايجوز” قبالة السواحل المغربية كانت تنقل يهودا سرا وغرق 44 من ركابها، وفي تلك الأثناء كانت السلطة قد انتقلت من الملك محمد الخامس إلى ابنه الحسن الثاني الذي كان معروفا بدهائه وحنكته السياسية وانفتاحه وبعده عن الأيديولوجيا القومية العروبية المعادية لإسرائيل. الملك الشاب عرف أين تكمن مصلحة بلاده، فعقد اتفاقا مع إسرائيل سمح بموجبه بهجرة اليهود مقابل حصول المملكة على 250 دولارا مقابل كل مهاجر وتطوير الأجهزة الأمنية بمساعدة إسرائيل.

تعاون المخابرات المغربية والإسرائيلية

تلك الاتفاقية وضعت حجر الأساس للعلاقات المغربية الإسرائيلية والتعاون الاستخباراتي بين الدولتين. حيث تشير مصادر إسرائيلية إلى أن جهاز الموساد ساعد المخابرات المغربية وأعطاها معلومات مكنتها من اغتيال المعارض المغربي مهدي بن بركة في فرنسا عام 1965. وفي نفس العام حين عقدت القمة العربية في المغرب استطاع الموساد التجسس على القمة وتسجيل كل وقائعها وما دار خلال جلساتها العلنية والسرية بمساعدة المخابرات المغربية، وهو ما أكده رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق شلومو غازيت في مقابلة أجرتها معه صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية ونشرتها في عددها الصادر بتاريخ 14 اكتوبر 2016.

العلاقات المغربية الإسرائيلية لا تقتصر على الجانب الأمني، حيث هناك علاقات عسكرية بين البلدين وتزود إسرائيل الجيش المغربي بمعدات الكترونية وأجهزة اتصالات ومراكز تحكم حديثة ذات تقنية عالية متطورة، كما تشير تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن المملكة اشترت من إسرائيل ثلاث طائرات بدون طيار متطورة وغيرها من معدات عسكرية تم بيعها للمغرب وإنما عن طريق وسطاء ودول أخرى.

وسيط سلام بين إسرائيل والعرب

في المجال السياسي كان للمغرب دورا بارزا وهاما في محادثات السلام بين إسرائيل ومصر وبينها وبين الفلسطينيين أيضا. حيث استقبل المغرب مسؤولين ودبلوماسيين مصريين وإسرائيليين بينهم رئيس الوزراء الأسبق اسحاق رابين الذي زار المغرب سرا عام 1976 وهو أول رئيس وزراء إسرائيلي يزور دولة عربية، حيث ناقش خلال الزيارة مع العاهل المغربي آفاق السلام مع الدول العربية. وبعد ذلك التقى ممثلو مصر وإسرائيل في المغرب، كما اجتمع في الرباط وزير الخارجية الإسرائيلي موشي دايان مع مستشار الأمن القومي المصري حسن التهامي وعقدا محادثات سرية مهدت لزيارة السادات إلى إسرائيل وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل فيما بعد.

كذلك استضاف المغرب اجتماعات سرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين في الثمانينات، وبعد توقيع اتفاقية أوسلو بعامين أقامت إسرائيل علاقات دبلوماسية كاملة مع المملكة عام 1995، لكن بعد اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 وتحت الضغط الشعبي والعربي الخارجي اضطرت إلى قطعها.

بعد اتفاقية أوسلو وحتى قبل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وانتقال العلاقات بين البلدين من السرية إلى العلنية، تطور التبادل التجاري بينهما بشكل كبير ليصل حجم الصادرات الإسرائيلية الزراعية والتقنية المتطورة إلى 220 مليون دولار، في حين وصل حجم الواردات الإسرائيلية إلى نحو 830 ألف دولار.

تبادل تجاري ودبلوماسي رغم قطع العلاقات

مع قطع العلاقات الدبلوماسية، عاد التبادل التجاري إلى السرية وتراجع حجمه كثيرا. واستمر الوضع هكذا حتى اندلاع ما يعرف بـ “ثورات الربيع العربي” وانتشار عدم الاستقرار وتراجع الأمن في تونس ومصر وتركيا فيما بعد، وبإحجام الكثير من السياح الإسرائيليين عن السفر إلى هذه الدول، أصبح المغرب الوجهة المفضلة والبديلة للسياح الإسرائيليين الذين يقدر عددهم بحوالي 15 ألف سائح سنويا. وتجدر الإشارة الى ان اليهود المغاربة لم يفقدوا جنسيتهم المغربية بعد انتقالهم للعيش في إسرائيل.

كذلك عاد حجم الواردات المغربية من إسرائيل إلى الارتفاع رغم نفي الحكومة وجود أي علاقات اقتصادية معها، إلا أن المعارضة المغربية تقدر حجم الواردات الإسرائيلية بنحو 50 مليون دولار.

استمرار العلاقات بين البلدين لا يقتصر على الجانب الاقتصادي والسياحي فقط، فرغم قطع العلاقات الدبلوماسية لم يتوقف تبادل الزيارات بين مسؤولي البلدين. كما دعمت إسرائيل المملكة المغربية على الساحة الدولية وخاصة في نزاع الصحراء الغربية. وبدورها صوتت المملكة مطلع العام الماضي 2016 لصالح تولي إسرائيل رئاسة اللجنة القانونية في الأمم المتحدة.

أما سبب استمرار علاقات المغرب مع إسرائيل وصمودها رغم الضغوط الداخلية والخارجية، فيعود إلى الابتعاد عن الشعارات القومية والعروبية المعادية لإسرائيل وانتهاج سياسة واقعية عقلانية. هذا بالإضافة إلى براغماتية العاهل المغربي ومعرفته أن لإسرائيل تأثيرا على صناعة القرار في الدول الكبرى ولاسيما في الولايات المتحدة، واستغلال ذلك لمصلحة بلاده في العلاقات الخارجية والنزاع حول الصحراء الغربية.

تعليقات