لقاء طلاب جامعة من إسرائيل ودول الخليج يذلل الحواجز السياسية ويبني الصداقات

عندما سافر “داني” إلى واشنطن للدراسة فيها، لم يكن يعلم بأن أقرب أصدقائه في الحرم الجامعي سيكونون طلابا مصريين ولبنانيين وسعوديين وخليجيين. كيف أمضوا أوقاتهم معا؟ ما أوجه الشبه التي تجلت بينهم؟ ماذا حدث حين تكلموا في السياسة؟ كيف يظلون على اتصال اليوم؟ (قد يفاجأ القارئ بأن عددا من الطلاب العرب قد زاروا إسرائيل). إليكم هذه التدوينة

بقلم: داني عزرا

بين سنتي 2008-2009 وخلال دراستي لنيل البكالوريوس تم إيفادي للدراسة في جامعة أمريكية رائدة، حيث كنا مجموعة كبيرة جدا من الطلبة من مختلف دول العالم، منها الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الأوروبية وروسيا ودول أمريكا اللاتينية وأستراليا وتركيا وأذربيجان وإيران وعمان وقطر والسعودية ومصر. وكان المنهج الدراسي حافلا بالمواد المرتبطة بإدارة الأعمال والمفاوضات العابرة للحدود والاقتصاد العالمي والقانون الدولي وغيرها، ولكن مع الاحترام الشديد للبرنامج الأكاديمي والتجربة الاستثنائية التي تنطوي عليها الإقامة في حرم جامعة أمريكية رائدة، إلا أننا مررنا بتجربة ليست أقل إثراء على الصعيد الاجتماعي، إذ كنا نحن الطلبة الأجانب نسهر مساء كل ثلاثاء في إحدى حانات المدينة، كما كنا ننظم وجبات العشاء المشتركة في شققنا ونستأجر السيارات لتقودنا إلى مواقع سياحية مختلفة في أنحاء الولايات المتحدة، وكنا نحتفل مع الأمريكان بأعيادهم ونربط صداقات عالمية متينة.

ومن التجارب التي كان لها أشد الأثر على نفسي ما جمعني بجيراني السعوديين من لعبة كرة القدم صباح كل أحد على ضفاف نهر البوتوماك، والسهر المشترك مع أصدقاء قطريين وعمانيين وسعوديين ومصريين ولبنانيين في المطاعم والبارات، ولم تخل هذه السهرات، ولكوننا من أبناء الشرق الأوسط، من أحاديث سياسية وأخرى كاد لا يغيب عنها أي موضوع، كانت تستمر إلى ساعات الليل المتأخرة، وقد حاولت خلالها التكلم إلى أقصى حدود معرفتي باللغة العربية التي كنت قد درستها على امتداد سني الدراسة الثانوية وأيضا في إطار دورة خاصة للغة العامية كنت شاركت فيها في اورشليم في السنة السابقة لوصولي إلى واشنطن.

وكنا نتحدث عن الخلفية المشتركة لدول الشرق الأوسط وعن كون 60% من سكان إسرائيل ليسوا دخلاء على المنطقة بل كانت أسرهم قد أجبرت على الهجرة من البلدان العربية إلى إسرائيل بعد فترة قصيرة من تأسيسها. هؤلاء اليهود بقوا متصلين باللغة والثقافة والتراث الخاص بالمنطقة. وقد أثبتت فعلا اللفتات الصغيرة البادرة من كل منا خلال الحديث المشترك أن العرب والإسرائيليين متشابهون في أسلوب روايتهم للحكايات والأصوات وتعابير الوجه الصادرة عنهم حين تعجبهم قصة معينة وحين لا يصدقون أخرى. ومن المواضيع التي حظيت بالإجماع حب الحمص والفول والشاورما والطحينة العالية الجودة. وفي إحدى المناسبات بلغ منّا الأمر أن قمنا باستئجار سيارة للتنزه بها نحن ثلاثة من الإسرائيليين وصديقان لنا من منطقة الخليج، حيث اكتشفت خلالها حبهم للمخللات. منذ تلك النزهة لم افوت فرصة تكليف اي صديق  يصل من إسرائيل بأن يحمل لي المزيد من علب المخللات الإسرائيلية من أجل أصدقائي الخليجيين.

وكان الأصدقاء العرب يُسمعونني أغاني للأخوين “الكويتي” وهما يهوديان من أكبر الموسيقيين العراقيين، أحدهما جد المغني الإسرائيلي الشهير “دودو تاسا” والآخر شقيق الجد. وفي فترة الدراسة في الثانوية تعرفت من خلال دراستي في قسم الاستشراق على أغان لفيروز وأم كلثوم وعلى بعض السور القرآنية وعبارة “صلعم” بعد ذكر اسم النبي، ما استدرج الابتسامات بل والضحك المجلجل لأصدقائي العرب. وكان عدد منهم قد أمضوا الإجازات الصيفية في طفولتهم في مخيمات صيفية في الولايات المتحدة إلى جانب بعض الأطفال من اليهود والإسرائيليين، وأخبروني بأنهم وأولئك الإسرائيليين أدركوا منذ اللقاءات الأولى أن ما يجمع الشعبين يتجاوز ما يفصل بينهما.

وبعد عدد من السهرات المشتركة التي دخن فيها البعض كما تناولوا المشروبات الكحولية، طلبَتْ من إحدى البنات الخليجيات إقناع الأصدقاء الأمريكيين واللاتينيين والأوروبيين بألا يحملوا للشبكات الاجتماعية صورا لها ولباقي القادمين من الخليج، وكانت واثقة بأني مدرك بسبب هذا الطلب وسأجيد إيضاحه على أحسن وجه للأصدقاء من غير بلدان الشرق الأوسط.

ولدى انتهاء الفصل الدراسي غمرنا الحزن لفراقهم، إذ أيقنّا بأنه سيصعب علينا البقاء على اتصال، وهذا ما حدث فعلا بعد عودتنا كل إلى بلده، حيث أصبحنا نكتفي بتبادل التهاني المقتضبة بمناسبة عيد ميلاد أحدنا، ولكني أعلم أن الصداقات بيننا لم تختف تماما. وقبل ما يقارب السنة، وعندما تزوجت أحد البنات الإسرائيليات ظهرت في تل أبيب، وبإنذار مبكر لم يتجاوز أياما معدودة، صديقة لها من إحدى الدول العربية، ومن البديهي أنها لم تستطع الحضور في رحلة مباشرة، ولكن زيارتها لإسرائيل كان لها شديد الأثر فيها، حيث شاهدتْ اللافتات المكتوبة بالعربية في كل مكان وردود الفعل الدافئة للمارة الذي صادفتهم لأول مرة في حياتهم سائحة قادمة من بلد تلك الصديقة، كما أن الأطعمة التي شاهدتها مقدما في صحون في كل مطعم إسرائيلي ذكّرتها كثيرا بما تعرفه في بلدها، ما عدا حلوى “تويست” الإسرائيلية بامتياز، ومنظر شواطئ البحر ومطاعم تل أبيب وحرية الصعود على سيارة لزيارة أورشليم القدس ومشاهدة حرية العبادة لأبناء كل الأديان والمواقع العلاجية على شواطئ البحر الميت – كل هذه الأمور تركت لديها إحساسا بأن ثمة، وفي مكان قريب جدا من بيتها، دولة لا يقتصر ما يربطها بها على كثرة الأصدقاء، بل هناك أيضا شعور بالحرية وكأنها في بلدها الثاني القريب من بيتها.

لقد مر الشرق الأوسط بتحولات متعددة خلال السنين الأخيرة، ولم يتحقق بعدُ حلمي في أن أكون دبلوماسيا إسرائيليا في إحدى الدول الخليجية أو في بيروت، ولكنه في فترة نسمع فيها حديثا علنيا عن أشكال التعاون بين إسرائيل وبعض الدول العربية، وهو ما كان يبدو في السابق غير منطقي، فإنني مؤمن بأن اليوم الذي يملأ فيه السياح القادمون من الدول المجاورة الشواطئ والمطاعم والمتاجر الإسرائيلية مليئة بكل ما لذ وطاب ليس ببعيد، وأيضا سيتوجه منذ ذلك اليوم ملايين الإسرائيليين إلى الدول العربية بحثا عن جذورهم العائلية والمواقع التي كانوا سمعوا عنها من أجدادهم وجداتهم الذين اضطروا للجلاء عنها دون سابق إنذار تقريبا.

أما نحن، أيها الأصدقاء العرب من وراء الحدود، فسنبقى ننعم بنفس الموسيقى التي تتحدث عن الفرح والحب والأشواق، ونستمتع بنفس المأكولات تقريبا ونحتسي القهوة والشاي واللذين يتم صبهما في الفناجين والأكواب بالشكل نفسه، كما سننعم بنفس الشمس الدافئة التي يسري دفؤها في منطقتنا وفي قلوبنا، ونظل آملين في أن العلاقات الباردة بين الحكومات وتبادل التهديدات اللاواقعية، ستتحول، مثلما تحولت في غير الشرق الأوسط من مناطق في العالم، إلى علاقة حقيقية صادقة بين شعوب يكاد يجمعها نفس التفكير، وإن لم تكن تتفق على كل شيء، وبين اقتصادات يستطيع كل منها دعم الاقتصاد الآخر بقوة، لتخليص المنطقة من التخلف الذي وجدت نفسها فيه خلال الأعوام الأخيرة.

تعليقات