الحاخام يوسف كارو

نقدم إليكم هذه الحلفة الجديدة من سلسلة “حكماؤنا” التي تتناول الحاخام يوسف كارو، من أبرز وأكبر القياديين الدينيين اليهود في أرض إسرائيل في القرن الـ16 مؤلف أهم ادبيات الشرع في التاريخ اليهودي، والذي لا يزال المرجعية الشرعية العليا في مختلف مجالات الحياة

أوهاد مرلين

ولد الحاخام يوسف كارو في اسبانيا في نهاية القرن الـ15 لكن طرد وعائلته من هناك عام 1492، عقب إصدار “مرسوم الحمراء” لتهجير كل السكان اليهود من مناطق المملكة الإسبانية في حال رفضهم اعتناق الديانة المسيحية.

وانتقل كارو مع عائلته من اسبانيا إلى البرتغال، ومن هناك إلى تركيا ثم إلى بلغاريا، حتى استقر في ثلاثينيات القرن الـ16 في مدينة تسفات (صفد) الواقعة في شمال أرض إسرائيل، والتي كانت بدورها في ذلك الحين تحت الحكم العثماني المتسامح.

افتاء موسى بن ميمون

ودار في أرض إسرائيل في ذلك الحين نقاش حاد بين الأحبار الحاخامين، والذين اختلفوا في قضية تجديد ما يسمى ب”سميخاه”. وبنظر الديانة اليهودية، إن السميخاه (والتي تعني “الاعتماد” بالعبرية)، تشير إلى سلسلة حكماء الشريعة اليهودية (الهلاخا) الذين  أهلوا تلاميذهم على مر الأجيال للتعليم وممارسة علوم الدين والإفتاء بقضايا تتعلق بالقانون الجنائي من الوزن الثقيل. وتبدأ تلك السلسلة تقليديا مع النبي موشيه (موسى) عليه السلام، وتمر حتى “حازال” الحاخامين الأوائل والذين عاشوا في أرض إسرائيل في نهاية فترة الهيكل الثاني، أي حتى القرن الأول للميلاد. وحسب التقليد انقطعت تلك السلسلة مع طرد اليهود من أرض إسرائيل من قبل الرومان، باعتبار ان  الاعتماد او التأهيل محرم خارج الأرض المقدسة.

لكن في القرن الـ12 أفتى الفيلسوف والمفكر والطبيب اليهودي البارز، موسى بن ميمون (رامبام) أن في حال اجتماع الأحبار في أرض إسرائيل مجددا، وفي حال حصولهم على موافقة بالاجماع، فإن تجديد سلسلة الاعتماد قد يعتبر شرعيا. وكان هذا سببا في نشوء معسكرين، حيث اعتبر المعسكر المؤيد هذا التوجه واجبا بسبب الأسئلة الكونية التي تواجهها الشريعة بعد طرد يهود اسبانيا واضطرار بعضهم إلى اعتناق المسيحية مؤقتا، في حين كان المعسكر المضاد يميل الى الانتظار للفصل الآلهي.

ورغم الخلافات في التفسير قرر الحاخام الأكبر لمدينة تسفات وهو من المعسكر الأول تجديد التأهيل. وكان الحاخام يوسف كارو من أوائل الأحبار والتلاميد الذين تم اعتمادهم منذ نحو 1500 عام.

مؤلفاته

وضع الحاخام يوسف كارو خلال فترة إقامته في تسفات مؤلفات عديدة تحولت على مر العصور إلى أبرز وأهم الكتابات الشرعية في الديانة اليهودية. وكان كتابه الأول يسمى ب”بيت يوسف”، والذي كان فعلا تفسيرا لكتاب شرعي آخر للحاخام الآلماني رابي يعقوب بن آشير. ويقع الكتاب في أربعة أجزاء مختلفة أسمها بن آشير ب”توريم” أي “العوامد”، كلها تتعاطى مع السلوك في مختلف مجالات الحياة:

  • – (نمط الحياة) – يتناول الشؤون اليومية، من صلوات وتبريكات وادعية والأكل والأعياد وأيام السبت والخ.
  • – (مرشد العلم) – يتناول بعض الشؤون الدينية من تحريمات ومسموحات، بما فيها كيفية ذبح الحيوانات لأجل تناول اللحمة، وتحريم دمج الحليب باللحمة، وتحريم الشرك بالله، وواجب تعليم التوراة، واحترام أحبار إسرائيل، والخ.
  • – (الصخرة المساندة) – يتناول شؤون العائلة والطهارة والزواج والطلاق والخ.
  • – (درع الحكم) – يتناول بعض الشؤون القانونية مثل الأموال والشهادة والمحاكم الشرعية.

في كتابه فسر الحاخام يوسف كارو تلك الشرائع، مقدما حلولا للتساؤلات الشرعية المفتوحة وجامعا إياها في إطار كتاب تفسير مدعوم بمصادر دينية.

وفي كتابه الثاني والأشهر، شولحان عاروخ (المائدة المُعدة)، جمع كارو تلك الشرائع الدينية بشكل مختصر ولكن شامل، يضم كل التقاليد والشرائع الدينية اليهودية في جميع مجالات الحياة، ويبقى ذلك الكتاب أهم كتب الشريعة اليهودية لدى اليهود السفراديم (الشرقيين) إلى أيامنا هذه. وفي نفس الوقت حاول الحاخام الأشكنازي موشيه إسرليش (“رما” باختصار) أن يصدر كتابا شبيها، لكن الحاخام كارو قد سبقه – ما أدى إلى إضافة التغييرات الصغيرة الخاصة باليهود الاشكناز في إطار شولحان عروخ، بدلا من وضع كتاب آخر تماما. ويسمى التفسير المضاف “هاماباه” أي “المفرش” باعتباره يضاف الى كتاب المائدة.

وكتب كارو كتبا إضافية، وبقي في الجليل حتى انتقاله إلى رحمة الله عام 1575. ولم يظهر بعده من يضاهيه في الإفتاء على مر العصور.

تعليقات