الختان في اليهودية الإسلام واجب ديني يعود لآلاف السنين

كلا الديانتين اليهودية والإسلام تلزمان المؤمنين بختان الذكور. لكن ما هو أصل الختان وأسبابه؟ وما هي طقوس الختان الدينية والاجتماعية لدى اليهود في أيامنا الراهنة؟

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

قال النبي إيلياهو:

قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ… فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي! فردّ عليه الرب عز وجل غاضبا: إذن، سوف ترى بأم عينيك كل مرة يعقد فيها بني إسرائيل عهدي!

هذه النص من كتاب “بركاي درابي إليعيزر” (القرن الـ8 ميلاديا)، يشير إلى أن الرب عاقب النبي إيلياهو (إيليا) بعد أن أبدى عدم ثقته ببني إسرائيل وبالتزامهم بأوامر الرب، وأجبره على جميع طقوس الختان اليهودية، والتي تسمى بالعبرية “بريت ميلاه” أي عهد الختان.

سيدنا إبراهيم والختان الأول 

يروي الكتاب المقدس أن أول من أُمر بالختان كان أول المؤمنين سيدنا أفراهام (ابراهيم) عليه السلام (سفر التكوين 17):

“وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيم: وَأَمَّا أَنْتَ فَتَحْفَظُ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. هذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ، فَتُخْتَنُونَ فِي لَحْمِ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلاَمَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. اِبْنَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ…”

ثم ذكر أن ابراهيم ختن ابنه سيدنا يتسحاق (اسحاق) عندما أصبح عمره ثمانية أيام، وكان عمر ابنه الثاني يشماعئيل (اسماعيل) 13 عاما في ذلك الوقت لذلك تم ختانه حينذاك. واعتبر الرب الختان في هذه الآيات “عهدا” بينه وبين أبناء ابراهيم. لذلك يسمى الختان بالعبرية “بريت ميلاه” بمعنى “عهد الختان” وباختصار “بريت” أي “عهد”. وجدير بالذكر أن وصية بريت ميلاه تخص الذكور فقط وختان الإناث ممنوع في اليهودية.

وبعد ذلك تم ذكر الختان في التوراة عدة مرات، على سبيل المثال في سفر الخروج 12 في إطار الوصايا المتعلقة بقربان الفصح:

“وَإِذَا نَزَلَ عِنْدَكَ نَزِيلٌ وَصَنَعَ فِصْحًا لِلرَّبِّ، فَلْيُخْتَنْ مِنْهُ كُلُّ ذَكَرٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ لِيَصْنَعَهُ، فَيَكُونُ كَمَوْلُودِ الأَرْضِ. وَأَمَّا كُلُّ أَغْلَفَ فَلاَ يَأْكُلُ مِنْهُ”.

واجب الختان

من هذه الآيات نستنتج أن الختان واجب ديني لأنه ورد في عدة وصايا ومن أجل اعتبار الرجل جزء من بني إسرائيل.

وجاء في سفر يوشع: “فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَالَ الرَّبُّ لِيَشُوعَ اصْنَعْ لِنَفْسِكَ سَكَاكِينَ مِنْ صَوَّانٍ، وَعُدْ فَاخْتُنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثَانِيَةً. فَصَنَعَ يَشُوعُ سَكَاكِينَ مِنْ صَوَّانٍ وَخَتَنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ…” لأن جميع الذين خرجوا (من مصر) كانوا مختونين، أما الذين ولدوا في القفر على الطريق بعد خروجهم من مصر، فلم يكونوا قد ختنوا. بمعنى أن الرب اعتبر عدم ختان بني إسرائيل خلال فترتهم في الصحراء خطيئة.

وتجدر الإشارة إلى أن وصية “بريت ميلاه” كانت تعتبر أحد أبرز علامات الشعب اليهودي، حتى أن الرومان واليونانيين حاولوا حظرها في إطار التقييدات الدينية خلال فترات احتلالهم لأرض إسرائيل. وفي العصر الحديث حظرتها روسية السوفييتية أيضا. لكن اليهود تمسكوا بتقاليد آبائهم رغم كل الصعوبات، فوفقا لبيانات موقع الأخبار “واينت” تبلغ نسبة الرجال اليهود المختونين في إسرائيل اليوم %97.

الختان في الإسلام 

لم يتم ذكر وصية الختان في القرآن الكريم، لكنه كان جزء لا يتجزأ من تقاليد العرب الذين عُرفوا بـ “أمة الختان” حتى قبل مجيء الإسلام في فترة الجاهلية. وفي أيامنا يعتبر الختان إتباعا للنبي إبراهيم، كما جاء في السنة النبوية أنه أحد أنواع الفطرة، أي الصفات الإنسانية الأساسية.

طقوس الختان في أيامنا 

مثل ما أسلفنا أعلاه، فإن طقس “بريت ميلاه” يعقد عندما يبلغ الطفل المولود 8 أيام، إلا إذا وجدت موانع طبية لدى الطفل، فيتم تأجيل هذا الطقس حتى زوال تلك الموانع.

تجري طقوس الختان عادة في الكنيس وأحيانا في قاعات الأفراح. وتتميز بأجواء الفرح والسعادة، حيث تحتفل العائلة والأصدقاء بانضمام نجل جديد إلى “عهد ابراهيم والرب”. وتبدأ الطقوس بتلاوة عدة صلوات تشمل الشكر للرب نيابة عن الطفل، وطلب النجاح والسعادة له. ثم يوضع الطفل في حضن عرابه والذي يكون عادة رجلا مهما بالنسبة للعائلة سواء أكان أحد الجدين أو من الأصدقاء الأعزاء المقربين.

ويجلس العراب على كرسي مزين يسمى “كيسي إيلياهو” أي كرسي النبي إيليا، إشارة لأسطورة النبي إيليا.

ويسقى الطفل بعدة قطرات من النبيذ لتخفيف ألمه ثم يعقد رجل مؤهل يسمى “موهيل” الختان نفسه. وبعد الختان يتلو والد الطفل عدة أدعية للرب ويعلن اسم الطفل أمام جميع الحاضرين، فوفقا للتقليد اليهودي تعتبر طقوس الختان حفل تسمية الطفل أيضا. وبعد الطقوس الدينية تقام مائدة احتفالية شكرا للرب على نعمته.

حقوق التصوير: Cheskel Dovid CC BY 3.0, Wikimedia Commons

تعليقات