قصة نشأة الكون في الديانتين اليهودية والإسلام

كيف نشأ الكون؟ وقبل كم عام؟ وكيف خلق الإنسان؟ هذه الأسئلة كانت ولا تزال تحير عقل الإنسان في كل الحضارات وفي كافة أنحاء المعمورة منذ قديم الزمان، ولكل حضارة روايتها الخاصة بالخليقة

حصري لموقع المغرد/أوهاد مرلين

حسب التقاليد اليهودية يمثل عيد رأس السنة العبرية، والذي احتفل به الشعب اليهودي مؤخرا، إلى جانب يوم الدين السنوي والذي يصدر فيه الرب حكم كل المخلوقات للسنة القادمة، اليوم الذي بدأ فيه البارئ عز وجل بخلق العالم، وحسب آراء أخرى يمثل هذا العيد يوم خلق الإنسان في اليوم السادس للخليقة. ويشكل هذا العيد فرصة ذهبية للتعرف على روايتي نشأة الكون حسب الديانتين السماويتين اليهودية والإسلام.

في اليهودية والمسيحية

وردت رواية خلق العالم في أول أسفار الكتاب المقدس، هو سفر التكوين، والذي يروي كما يُستنتج من اسمه قصصا مختلفة عن بداية الخليقة وينتهي بوفاة النبي يوسف عليه السلام. والجدير بالذكر أن كون كلا من اليهودية والمسيحية تعتبران العهد القديم من الكتاب المقدس نصا إلهيا عليه فإنهما تتمسكان بما جاء فيه حول قصة الخليقة.

ويصف الكتاب المقدس الأرض قبل الخليقة ب”خربة وخالية” وظلمة على وجه الغمر، وروح الرب ترف على وجه المياه. ثم وحسب القصة الشهيرة بدأ الرب يخلق العالم خلال سبعة أيام، خالقا في كل يوم جزءا اخر حتى اكتمل الكون كله:

ففي اليوم الأول خلق الرب النور وفصل بينه وبين الظلمة،

وفي اليوم الثاني فصل الرب بين السماوات والبحار،

وفي اليوم الثالث خلق الرب اليابسة والأشجار والنباتات،

وفي اليوم الرابع خلق الرب الشمس والقمر والنجوم،

وفي اليوم الخامس خلق الرب الطيور والسمك والحشرات،

وفي اليوم السادس خلق الرب الحيوانات الأرضية والإنسان،

وفي اليوم السابع جاء بأن الرب استراح وتمتع بالعالم الخير الذي خلقه – وهذا هو مصدر فريضة الاستراحة في أيام السبت في الدين اليهودي كما وإنه سبب تسمية هذا اليوم ب”شبات” بالعبرية، الذي يعني وقف العمل والاستراحة.

وفيما يخص قصة خلق الإنسان، جاء في العهد القديم أن الرب خلقه من التراب، وبالعبرية: أدماه، وهذا سبب تسميته آدم. ثم ذكر أن الإنسان كان وحيدا في العالم بلا زوجة، لذا خلق له الرب الإمرأة، والتي سميت ب “حفاه” (حواء)، كونها أم كل ما هو حي.

وجاء في التلمود، وهو كتاب الشرع اليهودي، تفسير جميل لقصة خلق الإنسان في اخر يوم من الخليقة. ويقول التلمود إن ذلك يدل ناحية، على أهمية الإنسان الكبرى وكونه رأسا لكل المخلوقات، لكن من الناحية الأخرى تمثل حقيقة خلقه في هذا اليوم نوعا من الإنذار من الزهو والاستكبار لدى الإنسان، والذي ينبغي أن يفكر دائما بأن حتى الذبان خلقت قبله.

نشأة الكون في الإسلام

هناك مصادر مختلفة عن قصص خلق العالم في الإسلام، بينهم القرآن والأحاديث. وحسب الأحاديث التي رواها الترمذي، وبشكل مشابه للحكاية اليهودية والمسيحية، فإن قبل الخلق كان الله يجلس على عرشه على سطح المياه. وخلافا لما جاء في الكتاب المقدس فإن مع الله كان اللوح المحفوظ، والذي حمل الكتب السماوية قبل نزولها للأرض.

وجاء في القرآن الكريم، سورة يونس:

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ.

إن هذه الآية الكريمة تذكر الرواية الواردة في الكتاب المقدس عن خلق العالم خلال ستة أيام. وفي نفس الوقت نجد آيات أخرى من سورة فُصلت، تختلف بعض الشيء:

وجاء في حديث مسلم:

خلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعة الجمعة فيما بين العصر إلى الليل.

ويشبه هذا الحديث رواية خلق الكون تدريجيا كما جاء في الكتاب المقدس، رغم التباين في بعض التفاصيل. والجدير بالذكر أن على مر العصور أبدى المفكرون المسلمون معارضتهم لفكرة استراحة الرب في يوم السبت، الأمر الذي يشكل مدار خلاف بين الديانتين.

العصر الحديث

ظهرت في القرون الأخيرة نظريات علمية جديدة تتعلق بنشأة الكون، مثل نظرية التطور والانفجار العظيم، وتشكل هذه النظريات تحديا بالنسبة للروايات الدينية القديمة حول نشأة الكون، فبحسب هذه النظريات، كانت نشأة الكون أقدم مما كان يعتقد من قبل، حيث وقع وفقا للفرضية السائدة الانفجار العظيم قبل 13,8 مليار سنة، وأن الكون لا يزال يتوسع منذ ذلك الحين. أما الإنسان فهو، بحسب نظرية التطور، نتيجة لعملية تطور تلقائية طويلة المدى وليس له أي صلة بالتراب.  وتحاول تيارات فكرية مختلفة ضمن الديانات السماوية الثلاث البحث عن سبل التغلب على التناقض الفكري بين الروايات الدينية والفرضيات العلمية حيث نجد في جميع الديانات نظريات تحاول التقريب بين وجهات النظر الدينية والعلمية، وعلى سبيل المثال القول بأن ال”أيام” المذكورة في الكتب المقدسة لا تشير إلى 24 ساعة بل إلى آلاف السنين. وهنالك أيضا من فسر ما جاء في الكتب المقدسة بانه ليس سردا حقيقيا للتاريخ بل انه عبارة عن قصص تحمل عبرا مهمة جدا للإنسان. وبطبيعة الحال هناك تيارات محافظة اختارت تجاهل النظريات العلمية رغم دلائلها المقنعة، مؤكدة أبدية الكتب السماوية والتي تمثل حسب هذه الآراء حقائق غير قابلة للتفنيد.

ومن المثير للاهتمام ملاحظة طرق تعامل كل تيار ديني مع هذه النظريات التي تشكل بحسب البعض خطرا على الإيمان، فيما يرى البعض الاخر انها تشكل فرصة للتعاون الفكري بين الديانات والثقافات المختلفة في العالم.

حقوق الصورة البارزة: ويكيبديا

تعليقات