في المغرب لا يخافون من الكلمة “إسرائيل”

على الرغم من غياب العلاقات الدبلوماسية، فإن المغرب يحافظ على ولائه لليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل ويستضيف عشرات الآلاف من الإسرائيليين كل عام. وبفضل الموسيقى والتمر ومنظومات الري، فإن الحديث عن إسرائيل ليس من المحرمات

عينات ليفي *

أبدى مشجعو الفريق المغربي اهتماما كبيرا بمباراة كرة القدم بين المغرب والبرتغال في مباراة كأس العالم الأخيرة. وفي نهاية المباراة، أظهرت كاميرات التليفزيونات أن المشجعين المغربيين يشدون العلم الإسرائيلي، وقد تم عرض الحدث كحدث عنيف ضد المشجعين الإسرائيليين. ومع ذلك، تبين أن القبطان المغربي مهدي ابن عطية ألقى قميصه في المدرج، الذي كان قريبا من الأعلام الإسرائيلية – وقام المشجعون المغربيون بسحب العلم الإسرائيلي في محاولة لاحتجازه. أصبحت قصة الحادثة فيروسية، وغمرت شبكات التواصل الاجتماعي صور المشجعين الذين كانوا يحتضنون أعلام المغرب وإسرائيل.

يتعلق تفسير صور العناق المثيرة للعجب وفقا للمفهوم المغربي بأن اليهود المغاربة الذين يعيشون في إسرائيل، هم في الواقع جزءٌ من شتات المغرب.  وقد تم تعزيز هذه الحقيقة في مارس / آذار 2016 في تقرير رسمي صادر عن وزارة الشتات المغاربة، ورد ذكر إسرائيل فيه على أنها ثانية أكبر دولة شتات للمغاربة في العالم بعد فرنسا، مع حوالي 800,000 مغربي.

كما أثيرت العلاقة مع المغاربة في إسرائيل في الخطاب العام في المغرب في اطار مسألة ما اذا ستكون للمغاربة الشتات الحق في التصويت للبرلمان المغربي، وإذا كان الأمر كذلك، فهل ينطبق هذا الحق على اليهود المغاربة المقيمين في إسرائيل. كما يجب أن نتذكر أنه إذا رغب مواطن إسرائيلي من أصل مغربي في الحصول على الجنسية المغربية، فيمكنه فعل ذلك، حيث يسري استحقاق الجنسية المغربية لأربعة أجيال. وإذا لم يكن هذا كافيا، ففي يوليو / تموز 2011 تم إدخال تعديل على الدستور المغربي، والذي ذُكرت فيه اليهودية كجزء من التراث المغربي. أين يمكن العثور على بلد مثل المغرب – البلد المسلم الذي يعتبر إسرائيل كأنها أحد تجمعاته في الشتات، ويعترف بالديانة اليهودية كجزء من تراثه، بل إنه يقدم الجنسية المغربية للإسرائيليين؟

يعود الوجود اليهودي في المغرب الى أكثر من 2000 عام، وبدأت الصداقة الإسرائيلية المغربية في أواخر الخمسينيات. في تلك السنوات، كان العامل الموحِّد هو التعاون الأمني ​​ضد الرئيس المصري جمال عبد الناصر والقومية العربية، وزاد من تعقيد ذلك، الحاجة إلى تنظيم هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل. في السبعينيات استمرت العلاقات في التطور في أعقاب وساطة المغرب في عملية السلام بين إسرائيل ومصر، وفي أوائل التسعينيات، سمحت اتفاقيات أوسلو للعلاقات بالظهور والتوسع. في عام 1994، افتتح البلدان مكتب اتصال في الرباط وتل أبيب، ولكن منذ أكتوبر 2000، في بداية الانتفاضة الثانية، لا تقيم إسرائيل والمغرب علاقات دبلوماسية رسمية.

ومع ذلك، هناك العديد من التعاون المفاجئ بين البلدين. مثل هذا التعاون موجود، على سبيل المثال، في مجال السياحة: حوالي 45000 إسرائيلي يزورون المغرب كل عام. عدد السياح المغاربة الذين يزورون إسرائيل أقل بكثير، ويبلغ حوالي 3500 سائح سنويا، حتى في ضوء تعقيد عملية إصدار التأشيرة لإسرائيل. على الرغم من عدم وجود رحلات جوية مباشرة بين إسرائيل والمغرب، إلا أن شركة الطيران الإسرائيلية العال El Al و-Royal Air Maroc، شركة الطيران الملكية المغربية، وقعتا اتفاقيات طيران مشتركة.

ويمكن أيضا أن يكون هناك تعاونا كبيرا، وإن كان محدودا، في الزراعة. يزود المغرب إسرائيل بالمنتجات الزراعية مثل الزيتون وسمك السردين ، بينما تزود إسرائيل المغرب بالمعرفة المهنية والمعدات التكنولوجية مثل أنظمة الري “نتافيم”، التي تدير أيضاً صفحة على موقع فيسبوك للجمهور المغربي. كما يجذب المغرب رواد الأعمال الزراعيين لأنهم لا يفرضون ضرائب في هذا المجال بل ويقدمون إعانات مالية. ومما له أهمية خاصة أنشطة المزارعين الإسرائيليين الذين أسسوا مزارع زراعية في المغرب لزراعة اللوز والتمر والزيتون وحتى الأترج.

ومع ذلك، فإن التعاون الأكثر وضوحا ومفاجئا يحدث في المجال المدني، وينعكس في تبادل الوفود والحفاظ على التراث اليهودي المغربي. يتم التعاون في مجالات الثقافة مثل المهرجانات والفعاليات الموسيقية والسينما، وفي التعليم العالي، مثل الدراسات المشتركة وتدريب الطلاب. حتى يونيو 2018 اقتصر عدد الوفود إلى إسرائيل على ثلاثة وفود مغربية، بما في ذلك نشطاء المجتمع المدني الذين رأوا أهمية خلق حوار وتواصل مع نظرائهم في إسرائيل. من ناحية أخرى، زارت وفود إسرائيلية كثيرة المغرب في السنوات الأخيرة بمناسبات مختلفة، مثل مؤتمر المناخ الدولي في مراكش في نوفمبر 2016 ومسابقة الجائزة الكبرى للجودو في مارس الماضي في أغادير، ومؤتمر بلدان البحر الأبيض المتوسط ​​الذي انعقد في البرلمان المغربي في الرباط في أكتوبر 2017، وجولة دراسية أجرتها المنظمة ” ماوز ” لتنمية القيادة.

إن الحركة بين إسرائيل والمغرب والتغطية التي تتلقاها في وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية تجعل العلاقات بين البلدين روتينية وتنتج ما يمكن تسميته “تأثير التعود”. إن التغطية، حتى وإن لم تكن إيجابية دائما، تشجع على إجراء حوار مفتوح وشجاع في المغرب حول القضايا المتعلقة بالعلاقات مع إسرائيل وعلاقات إسرائيل مع العالم العربي والإسلامي. والنتيجة هي أن الجمهور المغربي ليس متحمسا كما كان في الماضي من أي تعاون تم الكشف عنه، وأن تأثير التعود يمتد من حدود التعاون خطوة خطوة.

التعاون بين إسرائيل والمغرب قائم على الرغم من حركات المقاطعة في المغرب، التي تدعم الكفاح الفلسطيني وتعارض العلاقة مع إسرائيل. تؤثر هذه الحركات على الرأي العام المغربي من خلال وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، وتنشط داخل النقابات العمالية وتعبئ الجمهور المغربي للإحتجاج. شركة الشحن الاسرائيلية زيم، على سبيل المثال، عينت سابقا وكيلا في المغرب واضطرت الى توقيف عمله في أعقاب الاحتجاج الذي كان قاده زيون أزيدون، وهو يهودي مغربي من حركة المقاطعة BDS المغرب. ومع ذلك، لم توقف الشركة عملياتها بالكامل في المغرب. يتم تنظيم احتجاج آخر كل عام في شهر رمضان، عندما تمتلئ الأسواق المغربية بالتمر المجهول من انتاج إسرائيلي. على الرغم من هذا الإحتجاج، يستمر استيراد السلع وبيعها في الأسواق المغربية. وبالتالي، فإن حركات المقاطعة لا تمنع التعاون بشكل كامل، لكنها تحد منه وتمنع إسرائيل والمغرب من تحقيق الإمكانات الكامنة في علاقاتهما.

تشير العديد من افق التعاون بين إسرائيل والمغرب، إلى جانب الاهتمام المتبادل الذي عبر عنه المجتمع المدني لكل منهما، الى توفر فرص كبيرة لمزيد من التعاون. وإلى أن يتم إحراز تقدم ملموس على الساحة الفلسطينية لتحقيق هذه الإمكانية، من الجدير بمواصلة تطوير العلاقة الفريدة من نوعها بين إسرائيل والمغرب، التي تختلف كثيراً عن علاقات إسرائيل مع الدول الأخرى في المنطقة. إن العناق بين المشجعين الإسرائيليين والمغربيين في مباراة كأس العالم يفسح المجال للتفاؤل الحذر ويشير إلى الفرص التي يجب الاستمرار في تعزيزها، حتى لو كان من المستحيل تحقيق بعضها حتى حدوث تغيرات في الواقع الإقليمي.

* عينات ليفي هي رائدة أعمال تقوم بتطوير شراكات بين إسرائيل والمغرب وباحثة في “ميتفيم”- المعهد الإسرائيلي للسياسة الخارجية الإقليمية.

تعليقات