من صفحات التاريخ المجهول: عبد الناصر ورابين على مائدة واحدة

تشهد الصحافة الدولية والمصرية للزعيم الراحل جمال عبد الناصر بأنه كان اول من جلس مع الزعماء الإسرائيليين وتواصل معهم. فلم وثائقي يثر مجددا اللقاء الذي لا يتمشى مع افكار الناصريين!

رصد ردود الفعل على الفيلم – خاص من القاهرة – مراسل المغرد عزت حامد

“لم تكن الساعة قد تعدت الثالثة ظهرا. توقيت مشترك لتناول طعام الغذاء سواء لليهود أو المصريين. وتوجه عدد من الضباط الإسرائيليين ونظرائهم المصريين لتناول وجباتهم الغذائية. غير أن أبرز ما ميز هذا المشهد هو وجود زعيمين كبار. الأول وهو اسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق. والثاني هو جمال عبد الناصر الرئيس المصري الراحل.

سيناريو هذا الغذاء تم أثناء حرب الاستقلال التي خاضتها اسرائيل مع 7 جيوش عربية ثم تم الإعلان بعدها عن دولة إسرائيل، وهو ما كشف عنه فيلم وثائقي جديد “شالوم رابين“، بحث فيه رابين وناصر وعدد من كبار الضباط الإسرائيليين والمصريين فرص السلام والتعايش بالمنطقة وجها لوجه.

ويكشف المخرج الشهير عاموس جيتاي عن تفاصيل هذا اللقاء، وهو السر الذي اصاب العالم ووسائل الإعلام العربية وحتى الإيرانية مع دقتها، بالذهول، على خلفية تاريخ ناصر المعادي لإسرائيل وشعاراته الداعية لإلقاء اليهود في البحر.

صحيح ان اللقاء لم يتمخض عن اتفاق، إلا أن الإسرائيليين المشاركين فيه لمسوا من التعامل مع عبد الناصر روحا ابداعية للسلام، وهي الروح التي دفعت بالعسكريين الإسرائيليين ممن شاركوا في هذا اللقاء إلى الاعتقاد الصريح بأن فرص السلام ستكون أفضل وأحسن عقب قيام ثورة الضباط عام 1952، وهي الثورة التي أطاحت بالحكم الملكي في مصر.

قصة الغذاء

ويكشف رابين في هذا الفيلم الذي اهتمت الصحف الإسرائيلية بعرضه أنه دعا الضباط المصريين ممن تمت محاصرتهم في منطقة الفلوجة إلى تناول الغذاء بعد استسلامهم وهزيمتهم، وكان رابين قائدا لقوة البالماح أو النخبة القتالية، والتي كانت واحدة من أشرس واقوى الوحدات الإسرائيلية العسكرية.

وكان رابين برتبة عقيد في هذه الوحدة، بينما كان ناصر برتبة رائد ويوضح رابين: “قدمنا لهم طعام الغذاء وتناولناه سويا في مستوطنة جات” يقول رابين: “عبد الناصر كان يجلس بجواري. وقال انه يتطلع في شعار الوحدة العسكرية البالماح وسألني ما الذي يعنيه هذا الشعار وشرحت له تفاصيله.”

ويقول رابين أيضا عن هذا اللقاء “قال لي عبد الناصر إن الحرب التي نخوضها هي حرب خاطئة ضد العدو الخطأ في الوقت الخطأ………واعتقدت من كلامه إننا الان قريبين جدا من السلام”.

اعترافات مصرية

وما يدعو للاستغراب من وجهة النظر الإسرائيلية أن الجانب المصري يؤكد هذه المعلومة، بل حتى عبد الناصر ذاته أعترف بأنه خاض مع الإسرائيليين مفاوضات في الحادي عشر من نوفمبر عام 1948 في مستوطنة جات. كما تؤيد هذه الحقيقة عدد من التقارير المصرية.

المثير للانتباه أن التقرير أثار غضب عشاق الناصرية ومذهبها الثوري، مثل القيادي الناصري ضياء الدين داوود، وهو عضو في مجلس النواب والذي زعم إن ما جاء في الفيلم كذب ولا أساس له من الصحة.

هذا التوجه في انكار الحقيقة التي تتعارض مع توجهات الناصريين يقوم على تعليقها على الشماعة الإسرائيلية إذ قال «داوود» لصحيفة «المصري اليوم»، إن إسرائيل تحاول تشويه صورة جمال عبد الناصر الذي رفض السلام، واستمر في المقاومة إلى آخر يوم في حياته”.

ومما يثير الشفقة على هذا التوجه الذي يأبى ان يواجه الحقيقة، ان هدى ابنة جمال عبد الناصر اعترفت بنفسها بهذه الواقعة في كتاب عن عبد الناصر حمل عنوان “60 عاما على ثورة 23 يوليو”.

وورد في مذكرات هدى: “تم استقبالنا جيدا على يد القائد اليهودي، حيث لم تكن إسرائيل قد أُعلنت بعد، وقال هذا القائد إنه يرغب في وقف إراقة الدماء. وطلب هذا القائد منا الاستسلام والانسحاب من عموم فلسطين وهو ما أدى إلى اعتراضي. كنت أرغب في سحب القوات المصرية إلى غزة أو رفح لالتقاط الأنفس ومعالجة الجرحى”.

واعترف عبد الناصر في هذه المذكرات بالتعامل الاسرائيلي الجيد معه ومع جنوده “طلبنا إجلاء الجرحى إلى غزة ولكن اليهود رفضوا ذلك وقالوا إنهم على استعداد لإعطائي الدواء الذي أحتاجه …. وعرضوا علينا أيضا عصير البرتقال وشطائر وشوكولاتة، وحلوى وبسكويت”.

غير أن الواضح ومع قراءة هذه المذكرات أن عبد الناصر لا يذكر رابين بالاسم، ولكنه يذكره فقط باسم “القائد اليهودي” أو قائدهم، دون أن يحدد أسمه أو حتى منصبه.

تعددت الشواهد وتبقى الحقيقة موضع جدال

غير أن ما أثاره هذا الفيلم يفتح الباب لمناقشة واحدة من أكثر القضايا حساسية، وهي علاقات الرئيس الراحل عبد الناصر باليهود والإسرائيليين، وهو ما طرحته عدد من التقارير الإسرائيلية ذاتها وحتى داخل صحيفة الاهرام تلك المؤسسة العريقة.

وفي الخامس والعشرين من شهر يناير عام 2009 وضع الكاتب والمحلل السياسي عبده مباشر مقالا حمل عنوان ” عبدالناصر‏..‏ والسلام‏..‏ وإسرائيل”، وهو المقال الذي قال فيه مباشر، وهو واحد من كبار الكتاب المصريين، إن عبد الناصر كانت له اتصالات وعلاقات مع الإسرائيليين بدأت في حرب‏1948,‏ وفي أثناء معركة الفلوجا لم تنقطع‏,‏ وعند بدء مفاوضات الانسحاب‏,‏ أصر قائد القوات الإسرائيلية في غزة في ذلك الوقت على التفاوض مع جمال عبد الناصر مباشرة دون أي أحد آخر‏، وجلسا معا‏، مؤكدا أن ناصر صديق‏.‏

صعوبة التعاطي مع الواقع

المثير للانتباه هنا أن مباشر استخدم مصطلحات أثارت وقتها انتقادات الناصريين والثوريين ليس فقط في مصر ولكن في عموم العالم العربي، حيث قال ” أن ما جرى في حرب فلسطين واتصالات عبد الناصر مع اليهود تفتح الباب أمام إلقاء الضوء على تاريخ الاتصالات المصرية ـ الإسرائيلية طوال فترة حكم الرئيس عبدالناصر‏,‏ والاتصالات الناصرية ـ الإسرائيلية التي حاول كثيرون إسدال ستائر كثيفة عليها ومنع الآخرين من الاقتراب منها مع الاستعداد لنهش كل من يحاول ازاحة الستار عنها‏.”

واشار مباشر إلى كتاب رشاد كامل، رئيس التحرير السابق لمجلة صباح الخير المصرية، والذي حمل عنوان “عبد الناصر في تل أبيب ـ القصة الكاملة لمشاريع التفاوض مع إسرائيل”، وهو الكتاب الذي يصفه مباشر بأنه كان واحدا من أهم الكتب المصرية.

اعترافات مصرية

اللافت في هذا الكتاب أن الكثيرين من كبار القادة المصريين يؤكدون الاتصالات المصرية الإسرائيلية في عهد عبد الناصر، والتي كان أبرزها ما ورد في كتاب الرئيس الراحل محمد نجيب أول رئيس جمهورية في مصر والذي قال في كتابه “كلمتي للتاريخ” إن بعض الكتاب الإسرائيليين‏، تفاءلوا عندما عرفوا أن جمال عبد الناصر الذي كان على اتصال ببعض ضباط المخابرات الإسرائيلية في حرب فلسطين‏,‏ هو أحد رجال الثورة‏، وهذه العبارة مذكورة في صفحة ‏338 ‏من هذا الكتاب.

الواضح أن “رشاد كامل” الكاتب المصري يؤكد أن هيكل ذاته لم ينكر هذا اللقاء، موضحا أن هيكل نشر هذه القصة في مجلة آخر ساعة في الخامس والعشرين من مارس عام 1953 في مقال خاص. وتحدث هيكل، الكاتب المقرب من عبد الناصر، في هذا المقال عن القائد اليهودي الذي قابل عبد الناصر والذي اعجب به.

كما كشف القائد المصري السيد طه عبر يومياته في مجلة آخر ساعة في شهر ابريل‏1949، تفاصيل الاجتماعات بين عبد الناصر والإسرائيليين أيضا.

اهتمام مصري رسمي

اثار لقاء رابين ناصر في فيلم غيتاي زوبعة في الصحافة المصرية، غير ان هذا اللقاء، إن دل على شيء، فهو يعكس المرونة التي على القادة التحلي بها، حتى في احلك الأوقات لإرساء اوطانهم على شاطئ البر. اضف الى ذلك فإن، ملف العلاقات السرية أو غير المعلنة بين العرب وإسرائيل لا يزال يشبه الصندوق الأسود، المليء بالأسرار التي لا يعرفها الملايين وربما آن الأوان لاطلاقها والتعاطي معها.

حقوق الصورة البارزة: ويكيمديا، ويكيبديا

تعليقات