بر الوالدين في اليهودية والإسلام

تأتي الوصية الالهية بالبر بالوالدين في اليهودية ضمن الوصايا العشرة كما أن الدين الإسلامي يعتبر بر الوالدين من أعلى درجات الإحسان هما هذه سوى واحدة من العديد من الامثلة التي تلتقي فيها القيم الإنسانية في الديانتين

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

نتوقف مع هذه القصة التي تحمل مغزى عميقاً في البر بالوالدين رشحها الدخول الى كتاب التلمود اليهودي. وهي قصة داما بن نتينا – نموذج أبدي:

قبل نحو ألفي سنة، كان الحاخامون يبحثون عن جوهرة خاصة لأجل الـ”حوشن” الذي يزين قميص الكاهن الأكبر الذي خدم في الهيكل في أورشليم. وكان الحوشن لوحا جميلا صغيرا مزينا بـ12 جوهرة ترمز إلى أسباط بني إسرائيل الـ12 علقه الكاهن الأكبر على صدره أمام القلب.

وسافر الحاخامون من أورشليم إلى بيت تاجر مجوهرات غير يهودي شهير من مدينة أشكلون كان اسمه داما بن نتينا. وطلب الحاخامون منه أن يبيع لهم الجوهرة وعرضوا على داما ثمن 60 ألف عملة لكنه رفض. ثم عرضوا عليه 80 ألف عملة لكنه رفض مرة أخرى، وحاول أن يفسر سبب رفضه لهم لكنهم لم يريدوا الاستماع اليه فتركوا المكان باحثين عن تاجر آخر.

وبعد عدة أشهر سمع الحاخامون أن الرب بارك داما فاستغربوا الأمر. وسافروا مرة أخرى إلى بيت داما للوقوف على سبب مباركته. فقال لهم: عندما قدمتم إلي وطلبتم بيع الجوهرة، كانت الجوهرة مخزونة في صندوق مقفل وكان المفتاح تحت مخدة أبي ولم أرد أزعاجه وأيقاظه. ويبدو أن الرب باركني لهذا السبب.

وتأثر الحاخامون جدا بذلك الرجل النبيل وبأعماله الأصيلة، حتى أوردوا الحكاية في التلمود (كتاب كيدوشين 31) كي يتعلم منه جميع اليهود إلى الأبد.

بر الوالدين في الكتاب المقدس

جاءت وصية بر الوالدين في الكتاب المقدس في إطار الوصايا العشر التي أنزلها الرب على اللوحين بيد سيدنا النبي موسى عليه السلام في جبل سيناء، وهي الوصايا الأهم في الدين اليهودي. ويقول سفر الخروج 20:

 أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ

تساءل أحد المفسرين اليهود: لماذا أتم ربط العمر المديد باحترام الوالدين؟ فقال: تطويل الأيام لا يجري فقط “إلى الأمام”، بل “إلى الوراء” أيضا. بمعنى أن من يكرم والديه يصبح بشكل تلقائي جزءً من سلسلة الأجيال والتقاليد طويلة المدى ويطول عمره “إلى الوراء” ويعيش ليس حياته فقط بل حياة آبائه وأجداده إلى بداية الأزمان.

ويفصل الكتاب المقدس وصايا إضافية تخص احترام الوالدين، بما فيها تحريم ضربهما وشتمهما، لا سمح الله. وجاء في سفر اللاويين 19:

تَهَابُونَ كُلُّ إِنْسَانٍ أُمَّهُ وَأَبَاهُ

سأل المفسر والفيلسوف البارز الحاخام موسى بن مايمون (والمسمى بالعبرية باختصار بـ “رامبام”) لماذا تم تبديل الترتيب ما بين الأب والأم في الآيتين المذكورتين؟ فردّ: جاء الأب أولا عندما الأمر تعلق بإكرام الوالدين (سفر الخروج) كي نتعلم أن بالرغم من حضور الأم الأبرز في البيت وتأثيرها الأقوى على تربية الأطفال فإن الأب يستحق الإكرام بشكل متساو. وجاءت الأم أولى عندما يتعلق الأمر بهيبة الوالدين، كي نتعلم أن بالرغم من أن شخصية الأب الأقوى على الأغلب من شخصية الأم، فإن الأم تستحق الهيبة بشكل متساو.

ويقول التلمود الأوروشليمي (كتاب بيآه 1) عن هاتين الآيتين:

ما هي هيبة الوالدين؟ عدم الجلوس في مقعدهما وعدم التحدث في مكانهما وعدم معارضة كلامهما.

وما هو إكرام الوالدين؟ إطعامهما وإسقاءهما وإلباسهما واستقبالهما ومرافقتهما.

ثلاثة شركاء بالانسان

لقد جاءت وصية بر الوالدين في إطار الوصايا الخمس الأولى من الوصايا  العشر، والتي تعتبر من ضمن الوصايا ما بين الانسان والرب (“بين آدام لاماكوم”)، خلافا للوصايا الخمس الأخيرة التي تنظم علاقات الإنسان بأخيه الإنسان (“بين آدام ليحافيرو”). وتساءل المفسرون على مر العصور عن ماهية هذا الترتيب واستنتجوا أن الرب عزّ وجلّ يرى في احترام الوالدين جزء لا يتجزأ من الواجبات الدينية. ويقول التلمود (كتاب “كيدوشين” 30):

ثمة ثلاثة شركاء في إنجاب الانسان هم: أبوه وأمه والرب عز وجل. وعندما يكرم الانسان والديه، فالرب يعتبره كمن أكرم الله تعالى.

بمعنى أن الرب يعتبر بر الوالدين واستمرار سلسلة الأجيال والتقاليد أمراً  إلهياً وليس فقط أمراً أخلاقياً اجتماعياً.

بر الوالدين في الإسلام

يعتبر دين الإسلام بر الوالدين من أعلى درجات الإحسان، وذكرت هذه الوصية المهمة في القرآن الكريم في عدة آيات منها:

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (البقرة 83)

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (العنكبوت 8)

وجاء في السنة النبوية:

وجاء رجل إلى النبي  فاستأذنه في الجهاد، فقال: “أحيٌ والداك؟”.

قال: نعم.

قال النبي: “ففيهما فجاهد”

وكما رأينا من كل هذه المصادر الجميلة فإن بر الوالدين من أهم القيم في الديانتين، وإكرامهما يعني التقدير والشكر لكل الخير الذي يعملانه لصالح الأبناء بل هو جزء من الإيمان.

تعليقات