من المعتقل الإسرائيلي الى مبادرة مشتركة للتعايش والسلام الفلسطيني الإسرائيلي

مبادرة ملفتة ومثيرة للاهتمام تسعى إلى صنع السلام وبناء الثقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. كيف تشكلت هذه المبادرة وماذا يميزها عن غيرها من المبادرات المشابهة لها؟

أوهاد مرلين

هناك الكثير من المبادرات التي تسعى إلى نشر التسامح وتحقيق التعايش وبناء الثقة بين المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي. لكن مشروع مبادرة “شوراشيم – جذور” مختلف ويعتبر فريدا ومميزا بين المبادرات الفلسطينية الإسرائيلية المشتركة الأخرى المشابهة لها. حيث أنها تأسست في قلب مناطق الصراع الإسرائيلي الفلسطيني –منطقة غوش عتسيون وجنوب أورشليم. وللتعرف على هذه المبادرة وتسليط الضوء عليها وعلى نشاطاتها أجرى موقع “المغرد” حوارا مع السيدة راز كونس المسؤولة في مبادرة “شوراشيم –جذور”.

كيف بدأت المبادرة؟

تأسست جمعية “شوراشيم – جذور” قبل 4 سنوات من قبل فلسطيني يدعى علي أبو عواد من بيت أمر، والذي سبق له أن اعتقل من قبل السلطات الإسرائيلية. خلال الفترة التي أمضاه في السجن تعرف على كتابات مارتين لوثر كينغ عن النضال السلمي من أجل الحصول على الحقوق، حيث تطرق إلى طريقة جديدة للمطالبة بالحقوق دون الإضرار أو المساس بحياة الأبرياء. بعد إطلاق سراح أبو عواد من السجن، والذي فقد أخاه سابقا بسبب الصراع، زارته إمرأة يهودية شجاعة وهي أم ثكلى، في منزله بغرض تقديم التعزية لأمه، التي فقد ابنها أيضا، فتأثر بالزيارة كثيرا. وكانت هذه أول مرة يشاهد فيها  يهودية تبكي أمامه، فعرف أن اليهود أيضا يبكون ويحزنون. وقرر أن يغير طريقة نضاله: الالتقاء بمن كان يعتبرهم أكبر أعدائه، وهم اليهود الذين يقطنون بالقرب منه في الضفة الغربية.

وفي إطار بحثه عن شركاء من الجانب اليهودي التقى أبو عواد بخوري أمريكي عرّفه على شاؤول يودلمان. الذي كان من تلاميذ الحبر والحاخام مناحيم فرومان، والذي سكن في غوش عتسيون وقاد محاولات اللقاءات والحوار بين الجيران اليهود والفلسطينيين في الضفة الغربية وكان قد التقى بكبار الزعماء الفلسطينيين وعلى رأسهم ياسر عرفات وأحمد ياسين، من أجل الترويج لفكرة التعايش والسلام. وأفضى اللقاء بين علي وشاؤول برنامجا أسموه “شوراشيم – جذور”، والذي شمل في البداية لقاءات بين الرجال والنساء الإسرائيليين والفلسطينيين الكبار في حقل زراعي فلسطيني يقع في غوش عتسيون في الضفة الغربية، وهو قلب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بسبب موقعه بين البلدات العربية واليهودية، وبسبب الماضي القاسي للمنطقة وما شهدته من أعمال عنف عديدة ووجود عسكري كثيف.

كيف وصلت أنت إلى الجمعية؟

تعرفت على عائلة فرومان خلال خدمتي العسكرية كضابطة في جيش الدفاع الإسرائيلي. وخلال تلك الفترة بدأ اهتمامي بالصراع وبآراء الحاخام فرومان المعتدلة الداعية للسلام والتعايش السلمي. وقبل نحو سنة التقيت مع أرملة الحاخام هداسا، والتي عرفتني بالشاب اليهودي “عيدن ريسكن” من بلدة إفرات، وأبدى عيدن اهتماما بتشكيل مجموعة شبابية على غرار مجموعة الكبار. والجدير بالذكر أن هذه المبادرة جاءت من شباب تتراوح أعمارهم بين 17 و18 عاما أبدوا رغبتهم في الانضمام إلى”شوراشيم – جذور”، وليس من الكبار.

وهكذا انضم أصدقاء عيدن من إفرات والشبان الفلسطينييون من بيت أمر وبيت لحم بعد الوالدين اللذين شاركا في لقاءات الكبار. وفي البداية شارك 6 شباب فقط من الجانبين، وقد أصبح عددهم اليوم 30 شابا، 15 شابا من كل طرف. وفي إطار فعاليات “اليوم المفتوح” الذي نظمناه مؤخرا أبدى نحو 50 شابا اهتمامهم بالانضمام للمجموعة. وفي إطار الفعاليات التقيت بالشاب الفلسطيني شادي، وهو ابن شقيق علي، والذي يشغل منصب المركز الفلسطيني للبرنامج.

ماذا تتضمن الفعاليات على أرض الواقع؟

طرحنا في البداية رؤيتنا وطموحاتنا بالنسبة للبرنامج، وفي إطار ذلك أعلنا أننا لسنا مهتمين بإقامة مجموعة حوار فقط، وإنما نود أن نؤسس مجموعة شبابية فعالة وناشطة تسعى إلى إصلاح العلاقات بين الطرفين في غوش عتسيون. إننا نرى أن المرحلة الأولى هي التعليم، حيث لاحظنا أن هناك جهلا كبيرا في الطرفين بالنسبة لبعضهم البعض. وكانت المرحلة التالية الالتقاء بمجموعات شبابية أخرى لأجل تجنيد المزيد من الشباب. وخلال العام الأول قمنا بالعديد من الفعاليات المشتركة بما فيها التبرع بالدم والقيام بالرحلات، وحتى نهاية أسبوع مشتركة ضمت طقوس الجمعة الإسلامية والـ”شبات” اليهودية.

ما هي التحديات التي تواجهونها فيما يخص تجنيد الشباب؟

إن التحديات في الجانبين متشابهة جدا، فالشباب من الطرفين ينضمون إلى مشروع استثنائي يعتبر مضادا لآراء المجتمع، كما وأنهم يأتون من عائلات محافظة، تبدي نفس المخاوف من مشاركة الشابات، مثلا، بسبب الاندماج في مجتمع مختلط والوصول إلى البيوت في ساعات متأخرة. كما وهناك خوف مشترك بالنسبة للأمان، إذ أن الفلسطينيين يخافون من استهدافهم من قبل الجنود، واليهود يخافون من استهدافهم من قبل الطرف الآخر! إن المطلوب هو الثقة الكاملة بين الجانبين، وهذا ليس سهلا بعد عقود من انعدامها بينهما. وفي المدارس يواجه الشباب نفس الانتقادات بسبب التقائهم بمن يعتبر عدوا. إن شبابنا جريئون وأبطال شجعان بلا شك.

هل يمكن أن تذكري لنا حالات من الانفعال والتأثر العاطفي شهدتيها في إطار الفعاليات؟

في أحد الأيام قُتل أحد أصدقاء الشباب من الجانب الفلسطيني بإطلاق نار من قبل جندي إسرائيلي، ونص القرار الحكومي الإسرائيلي على احتجاز الجثمان إلى موعد متأخر. فتحرك الشباب من الجانبين لإعادة الجثمان ومعهم عريضة من رجال الدين الذين دعوا إلى إعادتها. وقال الشاب الذي فقد صديقه إنه أقنتع بضرورة القيام بمثل هذه اللقاءات من أجل وقف دوامة العنف وسفك الدماء.

وبعد وقوع عملية تخريبية قتل خلالها شاب من “آلون شفوت” الواقعة في غوش عتسيون، كتب الشباب رسالة تعزية للوالدين وقاموا بزيارة لبيت القتيل، وانضم إلى اللقاء أحد الآباء الفلسطينيين أعرب عن تضامنه بصفته أبا أيضا، ما أدى إلى بكاء كلا الوالدين، وكانت هذه لحظة مثيرة للإنفعال جدا.

كيف ترين هدف المجموعة الشبابية؟ وهل لديك رسالة لقرائنا؟

إن المجتمع الفلسطيني خاب أمله من السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، ولا توجد العديد من الحركات الشبابية التي تتحمل مسؤولية الحراك السلمي من أجل التغيير. أما الجانب اليهودي فلديه العديد من المشاريع الشبابية لكنها لا تهتم بالوضع الإسرائيلي والفلسطيني بشكل خاص. أرى أن مجموعتنا هدفها ملء هذا الفراغ، مع توفير ساحة خالية من الصراع وبناء علاقات محبة وصداقة ونضال سلمي لأجل حقوق المجتمع الجار.

إن التوقيع على اتفاقية السلام شيء مجرد بعيد، وبنظري إذا لم نضع اليوم أسسا مجتمعية لهذا السلام، لن نعرف كيف نتعامل معه عندما يتحقق غدا. إن الواقع ينبغي أن يتغير من قبل الأفراد الذين يغيرون أنفسهم ثم يؤثرون بدورهم على العائلة والمجتمع.

حقوق التصوير: “شوراشيم – جذور

 

تعليقات