الحاسدية ونشر تعاليم اليهودية والعبادة بين عامة الشعب

شهدت الديانة اليهودية حركات تغيير فكرية ودينية واجتماعية عديدة. والحاسدية تعتبر واحدة من أكثرها انتشارا بين اليهود حول العالم. فمتى نشأت هذه الحركة وماذا يميزها عن غيرها؟

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

الجذور التاريخية

يعود ظهور الحركة الحاسدية إلى نحو 350 عاما، أوساط القرن السابع عشر حيث عاش رجل يدعى “شبتاي تسفي” اعتبر نفسه المسيح والمخلص اليهودي، وكان ذو شعبية كبيرة ومشهورا؛ لكن تم تكذيبه فيما بعد. ما أدى إلى خيبة أمل كبيرة عند اليهود وأدخل العالم الروحاني اليهودي في حالة مربكة من الصدمة التي تعرض لها جراء تكذيبه.

بعد عدة عقود، ومع بداية القرن الثامن عشر، ولد في شرق أوروبا الحاخام يسرائيل بن اليعيزر، الملقب بـ “باعال شيم توف” (ذو الاسم الحسن) وباختصار البشت”. والذي تعمق في علوم التوراة الباطنية – الـ “كابالا”، أو “التصوف اليهودي”، والتي انتشرت في تلك الأيام خصوصا عقب الممارسة الواسعة لها ضمن حركة شبتاي تسفي. حيث كان البشت يتجول بين الجاليات اليهودية المختلفة في شرق ووسط أوروبا مدرّسا وناشرا تعاليمه الكابالية ومستخدما إياها لأغراض طبية وشفاء المرضى.

وأدت خيبة الأمل الناتجة عن تكذيب شبتاي تسفي إلى اضمحلال وإضعاف موقف القيادة الروحانية اليهودية، التي كانت تعتبر نخبة متعلمة منعزلة. وأمام هذا التوجه قاد البشت عملية انفتاح للعلوم التي كانت خفية وحكرا على أوساط معينة، موفرا إياها للجميع. وفي حين أدى هذا الانفتاح إلى استياء بعض القادة الروحانيين، اكتسب البشت شعبية كبيرة وجذب إليه مجموعة من المتابعين المخلصين.

الأفكار الرئيسية والانتشار في أوروبا

ركز البشت في تعاليمه على عدة نقاط، بينها أهمية التجربة الروحانية والأحاسيس الدينية، خلافا للامتياز التعليمي والتعمق بالتلمود. هذا بالإضافة للتركيز على الوجود الإلهي الدائم في العالم، وعلى أن هدف الإنسان هو الالتصاق بهذا الوجود في كل أعماله اليومية، وعبادة الرب بحماس وانفعال.

بعد وفاة البشت في أوساط القرن الثامن عشر سعى تلاميذه إلى نشر تعاليمه بين اليهود حول العالم، وكان الأبرز بينهم هو الحاخام “دوف بير” من مازرتش في أوكرانيا، والذي جهد لأجل نشر تعاليم البشت في جميع أرجاء شرق ووسط أوروبا، والحاخام يعقوب يوسيف من بولانيئا، الذي سعى إلى جمع وترتيب تعاليم البشت.

وانتشرت تعاليم البشت في أوروبا مع إقامة مجموعات من تلاميذه في مدن عديدة، والذين تجمعوا في كل موقع حول قائد روحاني بارز واحد، على الأغلب من تلاميذ البشت أو من تلاميذ تلامذته. ونشر هؤلاء تعاليم البشت بين متابعيهم من الناس. وكان هؤلاء القادة الدينيون يلقبون بـ”أدمور” وهو اختصار لـ “أدونينو مورينو في رابينو” (أي سيدنا وأستاذنا وحاخامنا)، أما أتباعهم من الناس فكانوا يلقبون بـ”حاسيد” أي “متابع”، وهكذا أقيمت في جميع أرجاء أوروبا الـ “حاسيدوت” (الحركة الحاسيدية).

إن الـ “حاسيد” ينظر إلى”أدمور” كزعيم روحي ومستشار شخصي له، وفي بعض الأحوال حتى كطبيب نفسي. فالأدمور، وبسبب تعمقه بتعاليم الحاسيدوت، يمثل نوعا من التوسط لعبادة الرب. وتجدر الإشارة إلى أن أفكار الحاسيدوت الجديدة مثلت ثورة فكرية كبيرة، فقبل ظهورها كانت عبادة الرب تعتبر حقا لذوي القدرات التعليمية الفكرية فقط، والذين تعمقوا في تعليم التوراة وسعوا إلى الخبرة في التعليم. لكن “حركة الحاسيدوت” أتاحت المجال لجميع فئات المجتمع للعبادة، من خلال تركيزها على التجربة بدلا من التعليم، وكونها توجه “الحاسيديم” (كما يلقب أتباع الحركة) إلى الالتصاق بشخصية جذابة مثل الأدمور، من خلال الاستماع إليه فقط، وهذا أكسب الحركة شعبية كبيرة.

أقوى حركة متشددة

على مر القرون نشبت خلافات كبيرة بين الحاسيديم ومعارضيهم الكلاسيكيين (“متناجديم” – المعارضون، أو “ليتائيم” – اللتوانيون)، بسبب استياء المعارضين من “عبادة شخصية الأدمور” من قبل الحاسيديين وبسبب نشر تعاليم الكابالا التي من المفترض أن تبقى خفية سرية. وكثيرا ما كانت تلك الخلافات عنيفة يرافقها اضطهاد متبادل بين المجموعتين.

اما في أيامنا هذه فتعد الحاسدية من أقوى الحركات بين المجتمع الحاريدي (المتدين المتزمت) في العالم اليهودي. ومن أبرز “الحاسيدويات”:

حاسيدوت غور: أكبر حاسيدوت في إسرائيل، وينتمي إليها نحو 10 آلاف عائلة (قبل الهولوكوست كان عدد الحاسيديم فيها حوالي 100 ألف عائلة). يعود أصلها إلى مدينة “غورا كالفاريا” في بولندا، واليوم تمثل إحدى أكبر مجموعات الضغط السياسية في دولة إسرائيل.

حاسيدوت حاباد (لوبافيتش): هي الحاسيدوت الأكثر شهرة، فهي تولي أهمية كبيرة لمساعدة الجاليات اليهودية والمسافرين اليهود حول العالم. لذا أقامت وأنعشت مؤسسات دينية يهودية حول العالم، من الشرق الأقصى إلى جنوب أمريكا. وينتمي إليها أكثر من 50 ألف شخص. لكن سياسة الحاسيدوت التي تنص على المساعدة بدون شروط تزيد من شعبيتها بين ملايين اليهود الذين لا ينتمون إليها.

حاسيدوت برسلف: أصلها في مدينة أومان الأوكرانية، حيث دفن أدمور الحاسيدوت الأخير، الحاخام نحمان من برسلف نجل البشت، والذي يعتبر مربيا وراويا كبيرا. إن شخصية الأدمور الجذابة وكتاباته العميقة لا تزال تلهم وتستقطب الجماهير لهذه الحاسيدوت، التي تعرف اليوم بمتابعيها الجدد الذين يرتدون الملابس البيضاء ويرقصون في الشوارع.

وفي النهاية يمكن القول إن الحاسيدوت مثلت نقطة تحول كبيرة في الفكر والفقه اليهودي، وكسبت شهرة وشعبية كبيرة على مر الزمن، لتبسيطها طريقة العبادة وإتاحتها للجميع دون تمييز.

حقوق التصوير: مكتبة إسرائيل الوطنية

تعليقات