الأطفال يعمرون مدينة الآلهة

عصام شامل، اللد

يمتد عمر اللد الى 8 آلاف عام، رسمها الزيتون ومعاصرالسمسم التي تنتج الزيت، ومصانع الصابون المنزلية الشهير بصابون الغار أوالحلبي أوالنابلسي. مدينة الآلهة الرومانية هي ظفيرة التاريخ، تتنفس برئة ثلاثة أديان. أطفالها اليوم يعيدون اعمارها، ليكتبوا قصة جديدة من بارك السلام في اللد.

تخبرنا المكتشفات الأثرية بأن مدينة اللد تم تأسيسها قبل نحو 8000 عام. ومنذ تأسيسها وعلى مر الحقب التاريخية كافة، كانت المدينة مأهولة، وقد تجلت أهميتها القصوى أمام العلماء في السنوات الأخيرة بشكل خاص، وذلك بفضل الحفريات الأثرية الواسعة النطاق التي جرت فيها. أما متنزه السلام، فهو ثمرة مبادرة تستهدف حفظ ماضي المدينة العريق، مع إشراك سكانها في عملية الحفظ، علما بأن المتنزه موقع يجمع الأماكن المقدسة للأديان الثلاثة في آن معا، إضافة إلى مواقع تعكس تأريخ اللد.

ومن أبرز المواقع التي يحتضنها متنزه السلام كنيس “شاعار هشامايم” (باب السماء) اليهودي، والمسجد العمري وكنيسة سان جورج، ذلك بالإضافة إلى تمثال السلام، وهو من أعمال النحات الإسرائيلي (يغآل توماركين)، وآثار “خان الحلو” الذي يعود إلى عهدي المماليك والعثمانيين، والمركز المجتمعي المسيحي وعدد من معاصر الزيتون.

ومما يميز مشروع متنزه السلام عن غيره من المشروعات المماثلة كون بعض المواقع التي يتألف منها المتنزه تستلزم القيام بأعمال المحافظة والحفريات الأثرية. وكوسيلة لتنفيذ هذه المهمة من جهة، ومساعدة المدينة على التعامل مع مميزاتها الاجتماعية المعقدة من جهة ثانية، تقرر إشراك أطفال المدينة من العرب واليهود في العمل، لينضموا إلى سكان المدينة الذين كانوا يبحثون عن عمل، فتم شمولهم في أعمال محافظة التراث بعد تأهيلهم كحافظين محترفين للمباني التاريخية والأثرية. وقد جرى تعبئة المجتمع في المشروع سعيا لزيادة تضامن السكان ودعم شعورهم بالمسؤولية عن مستقبل المجتمع ونوعية حياته.

مبنى البلدية القديمة في اللد

مبنى البلدية القديمة في اللد

لقاء الطفولة يلغي روح العداء

ويقول الدكتور ألون شافيت، عالم الآثار الذي يقوم على إدارة الحفريات وسائر الأعمال في مشروع متنزه السلام: “يجتمع حول هذا المشروع يهود وعرب لم تسنح لهم من قبل فرصة لقاء بعضهم لبعض، وهو اللقاء الذي يحطم الأحكام المسبقة لكل من الطرفين بالنسبة للطرف الآخر. وهذه السنة السابعة التي نقوم فيها بأعمال الحفريات باشتراك التلامذة الدارسين ضمن الجهاز التعليمي في المدينة، علما بأن كل سنة من السنوات الست الماضية شهدت مشاركة نحو ألف تلميذ في الحفريات”.

ويشير د. شافيت إلى مكسب آخر من مكاسب الحفريات، يرتبط بالتحدي الذي يمثله التعامل مع التراث العربي بالنسبة للمؤسسة اليهودية، فقال: “يكمن بعض الجوانب الجميلة لهذه المشروع في تمكننا، وبشكل تدريجي، من إزالة تحفظ المؤسسة اليهودية من التراث العربي، حيث أدركنا أن الإصغاء للآخر يمكّننا من العمل على قضايا مهمة مثل كشف مشاريع الماضي من عصر للزيتون والسمسم وإنتاج للصابون. إنها فرصة سانحة لتقديم الأمر وسط المحافظة على التراث العربي بشكل ينال القبول والاستحسان من أوساط كثيرة في المجتمع اليهودي”.

وأضاف أن إدارة المشروع حريصة على إعداد اللافتات باللغات العربية والعبرية والإنجليزية لنصبها في أنحاء المتنزه، وأن الاستثمارات في مشروع المحافظة بلغت حتى الآن ما يزيد عن 4 ملايين شيكل (نحو 1.15 مليون دولار)، وأن مواصلة الأعمال تستلزم المزيد من الاستثمارات.

لمحة عن تاريخ مدينة اللد

جاء ذكر مدينة اللد لأول مرة في الوثائق التاريخية التي تعود إلى عهد الفرعون “تحتمس” الثالث الذي مر بها وهو في طريقه إلى منطقة مدينة مجدو، والتي قصدها بهدف خوض قتال ضد تحالف لعدد من المدن الكنعانية والسورية. وتفيد الوثائق المصرية القديمة بأن اللد كانت تعتبر نقطة مهمة على “طريق البحر”، وهي اهم “أوتوستراد” قديم في الشرق في تلك العصور.

وقد أصبحت مدينة اللد مركزا هاما للطائفة اليهودية اعتبارا من العهد الفارسي، ثم اعتبرت في عهد المشنا والتلمود أهم مركز للإبداع الروحي والأدبي اليهودي، حيث عاش وأبدع فيها كبار الحاخامات.

lud 2_n

“ديوسبوليس” هي مدينة الآلهة

وفي العهد الروماني (الممتد من القرن الأول قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي)، كانت سبع طرق تربط اللد بجميع المراكز الهامة في البلاد، وبذلك يكون الرومان قد حوّلوا اللد إلى القلب النابض لأرض إسرائيل. وكانت المدينة تدعى في ذلك العهد “ديوسبوليس” (أي “مدينة الآلهة”)، لتبنى فيها أفخر المعابد، كما كان يليق بمركزها، ولتصبح المدينة برمتها مدينة فاخرة. وتعتبر الأرضية الفسيفسائية التي تم كشفها في فيلا رومانية يعود عهدها إلى القرن الرابع الميلادي أهم المكتشفات الأثرية العائدة لذلك العهد.

وفي القرن السابع، احتل المسلمون البلاد، فاتخذ الحكام المسلمون مدينة اللد عاصمة مدنية للمحافظة لاعترافهم بأهميتها. وبعد نحو 80 عاما أسسوا مدينة الرملة المجاورة، والتي تم بناؤها خصيصا لتحل محل اللد كعاصمة لهم، وذلك لتحفظهم من ارتباط اللد بالحضارة الرومانية والبيزنطية.

وعند احتلال الصليبيين للديار المقدسة، أقاموا في اللد كاتدرائية فاخرة. وفي القرن الثالث عشر تمكن المماليك من إبعاد الصليبيين عن البلاد، ليسيطروا على اللد، حيث شيدوا فيها المسجد العمري وجسر جنداس فوق وادي “أيالون” شمال المدينة. ويعتبر هذا الجسر، والقائم إلى يومنا هذا، من أكثر الجسور القديمة روعة في الديار المقدسة.

وفي عهد العثمانيين، تحولت اللد إلى بلدة رئيسية في حوض وادي “أيالون” ومركز هام لصناعة زيت الزيتون ومنتجاته. وتم في ذلك العهد بناء “خان الحلو” وعدد من المساجد والبيوت الحجرية الأنيقة، والتي بقي بعضها قائما حتى عصرنا هذا.

تعليقات