جولة بعيون عربية بمؤسسة ياد فاشيم الإسرائيلية

ليس من المعتاد أن يزور هذا الضريح المهول صحفيون عرب، لكني وجدت نفسي صبيحة يوم مشمس اتخطى عتبة مدخله لأدلف بلا رحمة الى عمق تاريخ لم يبق منه سوى أنينُ حزنٍ لا ينقطع

حصري لموقع المغرد

ادخل الى جوف نصب الباطون المثلث العملاق المدعو ياد فاشيم في اورشليم القدس (وتعني بالعربية تذكارات الأسماء)، و تتداعى الى مخيلتي صور ملايين الجياع اليائسين الذين سيقوا قسرا الى معسكرات المحرقة النازية، فدخلوا الى مبانٍ لم يخرجوا منها قط، ولم يبق منهم سوى بضع تذكارات صغيرة، تراها في زوايا ياد فاشيم- فردة حذاء نسوي قديم، طرف منديل طفلة تراكمت عليه الدماء والاوساخ، قبعة رجل تلطخت بدماء مجهولة قد يكون بعضها من دمه، قصع طعام مسحتها افواه الجياع، بقايا اكياس جنفاص استعملها ضيوف المعسكرات النازية لتقيهم عري الاشتراكية الوطنية على طريقة هتلر، بقايا أسرّة خشبية تصلح ان تكون رفوفا لتربية الدواجن نام فيها ملايين الناس وفارقوا الشمس والحياة دون ان يجدوا حتى سببا واحدا يضعونه امام ذواتهم فيمنحهم بضع امل في انهم يموتون لأجل قضية. لا قضية امام الموت المجاني سوى ان الطغاة لابد لهم من شماعة تبرر اخفاقاتهم، وتفسر جرائمهم ونزوعهم الى الابادة المجنونة.

قضية تلك الملايين الحزينة القتيلة انهم يهود. ارضية الرواق المؤدي الى القاعات المتتابعة عُبّدت بحجارة الغيتوهات التي عزلوا فيها قبل صدور قرارات الابادة، حيث كان من المقرر ان يُستبعدوا بلا ممتلكات عن الاراضي الجرمانية. ثم امتدت الاراضي الجرمانية لتشمل القسم الاكبر من اوروبا، فلم يعد بوسع الالمان نفي اليهود حيث باتوا مطاردين في كل مكان، وتكدس القادمون من اوروبا الشرقية مع الوف المقيمين في المانيا وهولندا وبلجيكا وفرنسا، وبات الجمع اليائس يعيش على حلم الموت المريح وليس على حلم النجاة.

02

الحياة في ظل فوهات اسلحة الغستابو

فيلم مروع يصطادك في احدى زوايا ياد فاشيم، طفلة تربت على وجه طفل وتنحب وهي تساله أن يكلمها، دون ان تدرك انه فارق الحياة. وصورة طفلة اخرى تتداعى امام عدسة كاميرا مجهولة وتفارق الحياة وهي تلهث، ولقطة اخرى لبقايا بشر يتراكضون هربا من فوهة بنادق عناصر الغستابو التي تسوقهم الى قطارات الموت، وبقايا نسوة ورجال يتساقطون على طريق أحدى رحلات العذاب.

اسوأ تلك الرحلات جرت في 20 كانون الثاني/ يناير 1945 حيث سيقت الف امرأة يهودية من معسكر شليزرزي غرب بولندا الى معسكر فولاري في سلوفاكيا. مسيرة طولها 800 كيلومترا على الاقدام بين الغابات وسط الجليد. خلالها تمر القافلة بمعسكرات اعتقال اخرى، فيضفن نسوة اخريات الى مسيرة الالم المجهولة. في الخامس من أيار/ مايو 1945 وصلت القافلة المنكوبة الى فولاري في جيكوسلوفاكيا على الحدود مع النمسا.

106 ايام من المسير المستحيل خلال الثلج، بلا طعام ولا لباس والمرض يأكل اجساد المسافرات ومن تسقط منهن تنتظرها رصاصة في الرأس لتنتهي جثة مرمية في غابة منسية. الناجيات من مسيرة النهاية بلغ عددهن 350 امرأة. قائد تلك المسيرة نازي اسمه الويز ديور. وفي احدى القاعات التائهة الكئيبة تطالعك بقايا المسيرة ونسخ من افادات قائد مسيرة الجحيم بعد ان ضبطها جنود الحلفاء الذين اسقطوا المانيا النازية.

08

مفتي القدس – ممثل الاسلام بنسخته الاسلامية

فجأة، قطعت التداعي الكئيب صورة للشيخ امين الحسيني مفتي القدس القديم، وهو يزور احدى مخيمات محرقة الابادة اوشفتز النازية، متفقدا جنود الجيش النازي، وناظرا باحتقار ملؤه التشفي الى مئات الوف التعساء الواقفين تحت الثلج خلف الاسلاك بانتظار دورهم في المحرقة. هو نفسه الحسيني الذي يسميه البعض قائدا للثورة العربية. يا ترى كيف لأنسان ان يسميه قائدا لثورة وهو الشاهد – إن لم يكن الشريك – في جريمة ابادة 6 مليون انسان بتهمة اليهودية؟ وهل الانتماء الى دين او عرق تهمة تكفي للقتل؟ وهل يمكن قتل مليار ونصف مليار مسلم لمجرد انهم مسلمون؟ هل يُعقل ان تتحالف السياسة القومية العربية المشبوهة في ذلك الوقت مع النازية طمعا في مكاسب سياسية؟ وكيف قبلت فرنسا ان تأوي الحسيني وهو المطلوب دوليا بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية؟

تتواصل الجولة في متحف الجرائم النازية وتتعاقب على ناظري الصور الكئيبة والمشاهد التي لا تصدق. تغلفني كآبة رمادية وتأخذني بعيدا الى زمن الكارثة، حتى أصل لمحطة اخرى، وهي قبة غريبة رصفت في داخلها عشرات الوف الصور لضحايا الهولوكوست، وفي قعرها بحيرة ماء صغيرة تنعكس الصور فيها كأنها توكيد أنّ الحياة تستمر، ويجب أن تستمر.

وتستمر الرحلة، من الصعب أن تصدق أنّ إسرائيل العصرية الناهضة الجميلة هي امتداد لأولئك الملايين الذين قضوا في معسكرات الحرق وغرف الغاز النازية، من الصعب أن يصدق المرء أنّ الشمس عادت لتشرق على هذه الدولة التي اوشك هتلر ان يبيد أهلها عن بكرة ابيهم ويحولهم الى ذكرى كئيبة غامضة في كتاب النازية المشوه عن التاريخ، ذلك التاريخ ليس بعيدا، فالحديث يدور حول بضعة عقود.

04

منكرو حق الناس في الحياة هم أنفسهم منكرو المحرقة

ومن الصعب أن أفهم لماذا يظهر منكرون لكل هذا العذاب؟ هو شعب صغير من حقه الطبيعي ان يعيش، اسوة بكل الناس، الحياة هبة وليست مِنّة من أحد، هم أسوة بالكرد الذين أرادوا الحياة فقتلهم صدام حسين بغازات الخردل والسارين في حلبجة، وهم اسوة بالأرمن الذين قرر الترك العثمانيون إبادتهم بتهمة وهمية (التواطؤ مع الروس لاحتلال تركيا)، فقتلوا رجالهم وهم عزّل بالجملة بالرصاص وحراب البنادق فوق خنادق الموت، وساروا بنسوتهم في رحلة السبي الطويلة ليقتلوا اكثر من مليون امرأة منهن بحراب السبي. هي نفس القصة. تتكرر في كل زمان.

هم اسوة بالأيزديين الذين قتل تنظيم داعش في سنجار مئات من رجالهم وما زال يسترقُ 5 الاف امرأة من نسائهم تحت راية ” الدولة الاسلامية” السوداء، منكرا عليهم وعيلهن حق الحياة لمجرد اختلاف دينهم عن عقيدته التي يؤمن بها.

ومع أنّ ياد فاشيم تروي وقائع موثقة بالأفلام والشهادات العينية التي صادقت عليها مئات المنظمات المدنية المحايدة، وعشرات الحكومات والقادة، فإن صوت الرئيس الايراني السابق محمود احمدي نجاد لعلع على منبر الامم المتحدة منكرا وجود المحرقة ومتنكرا للحقائق المدعومة بملايين الوثائق والافادات والصور، وهذا يثير اسئلة عن حقيقة نوايا الجمهورية الاسلامية في إيران تجاه الدولة العبرية.

الوف النجوم لذكرى مليون ونصف مليون طفل قتيل!

انتهت الجولة الى قاعة  النجوم، قاعة معتمة، تسبح فيها الوف النجوم  بأنوارها على الجدران، ثم يكتشف الزائر من الشرح أنّ كل الانوار مصدرها شمعة كهربائية واحدة صغيرة، ولعلها رسالة للبشرية، أنّ الظلام قد تقهره شمعة واحدة. هذه القاعة تخلد الطفولة، وهي تذكار محفور في كهوف الجبل المقام عليه ياد فاشيم تخليدا لذكرى مليون ونصف مليون طفل يهودي قضت عليهم  الهولوكوست. شموع وشمعدانات تذكارية تخلّد الراحلين، ونماذج من وجوههم حفرت على الصخر.

اسماء الاطفال واعمارهم وبلدان الشتات التي عاشوا فيها أو قتلوا فيها أو طردوا منها تتردد في همس موسيقي رائع يتردد صداه مع ادعية تلمودية في القاعة النجمية. قاعة الطفولة اُنجزت بتبرع سخي من آبي و اديتا شبيغل اللذين قتل ابنهما أوزيل وله من العمر عامان ونصف العام في معسكر الاعتقال الرهيب اوشفتز.

الصور عن: ياد فاشيم في اورشليم القدس

تعليقات