اليهود في إسرائيل – تعايش وانسجام رغم التعدد والاختلاف

المجتمع اليهودي في إسرائيل يعد من أكثر المجتمعات انسجاما وتعايشا في المنطقة، رغم التنوع والاختلاف الطائفي بين أبنائه. لكن ما هو سبب هذا التنوع وما هي هذه الطوائف؟

حصري للمغرد / أوهاد مرلين 

في أحد الأيام ضربت عاصفة قوية سفينة يهودي وجنحت بها إلى جزيرة مهجورة اضطر للعيش عليها بمفرده لعدة سنوات. بعد فترة طويلة رست سفينة على شاطئ تلك الجزيرة فعثر طاقمها عليه وأنقذه. لكن الطاقم استغرب، حيث لاحظ أن اليهودي ساكن الجزيرة الوحيد قد بنى ثلاثة مبان عليها؛ فسأله أحدهم عن غرضه من بنائها فرد قائلا: المبنى الأول كنت استخدمه كبيت للسكن والثاني اعتبرته كنيسا أصلي فيه، أما المبنى الثالث فهو فعلا الكنيس الذي لم أدخل فيه خطوة أبدا!

تجسد هذه القصة أحد أبرز صفات اليهود على مر العصور وفي جميع أرجاء العالم، وهي التنوع الديني والطائفي والعرقي والفكري، وكما يقول المثل: “يهودي واحد: رأي واحد، يهوديان: ثلاثة آراء”! وفي هذا المقال نتناول تنوع وتعدد المجتمع اليهودي في إسرائيل.

الطوائف الدينية:

وفقا لبيانات مكتب الإحصاء الإسرائيلي المركزي لعام 2016، يبلغ عدد السكان اليهود في إسرائيل نحو 6.4 مليون نسمة، أي 74,8 % من إجمالي السكان في إسرائيل، وينقسم اليهود الإسرائيليون إلى أربع فئات دينية بارزة، وهي: الحيلونيم (العلمانييون) والماسوراتييم (المحافظون) والداتييم (المتدينون) والحريديم (المتدينون المتشددون). ولا يمكن تحديد كل فئة في إطار هذا المقال القصير بدون التعميم، لكننا سنركز علىى أبرز ملامح الطوائف المختلفة بشكل عام.

الحيلونيم – العلمانيون

يعتبر نحو 44 % من الإسرائيليين أنفسهم “علمانيين” أو “غير متدينين”. وتعود جذور اليهود غير المتدينين إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مع دخول حركة “التنوير” إلى صفوف اليهود الأوروبيين، بالتزامن مع القرار التدريجي في عدة دول أوروبية على منح غير المسيحيين عامة واليهود خاصة، حقوق المواطنة. وأدى ذلك القرار إلى اختلاط اليهود بالمجتمعات التي كانوا يعيشون معها والإقبال على مجالات البحث العلمانية والانفتاح على آفاق جديدة.

وعلى مر السنين ترك هؤلاء اليهود التقاليد اليهودية القديمة انسجاما مع القول المنسوب للمفكر اليهودي العلماني موشيه مندلسون (القرن الـ18): “كن يهوديا داخل بيتك، وإنسانا فور خروجك”.

وفي شرقي أوروبا أثر الحكم السوفياتي القاسي في القرن الـ20 على تقاليد اليهود بشكل كبير، بسبب معارضة الشيوعية الشديد للدين والسعي للقضاء على الإيمان الديني. وأسفر هذا النهج الديكتاتوري المتشدد للسلطة السوفياتية عن اضطرار اليهود الروس إلى ممارسة دينهم سرا أو تركه تماما.

والآن يمثل اليهود العلمانيون أكبر طائفة يهودية في إسرائيل، بعضهم لا يقومون بأداء أي طقوس دينية يهودية ويرون أنفسهم يهودا في قوميتهم وأصولهم وثقافتهم لكن ليس بدينهم أم بواجبهم الشرعي.

الماسوراتييم – المحافظون

انفتاح مشابه حصل عند اليهود في الدول العربية والشرق في نفس الوقت تقريبا، لكنهم نجحوا في بدمج الانفتاح والتقاليد والدين، ولم تلاحظ ظاهرة ترك الدين والشريعة عندهم كما لوحظت عند إخوتهم في أوروبا. ويمثل الماسوراتييم ثاني أكبر طائفة وتبلغ نسبتهم نحو 36 % من يهود إسرائيل. يتمسك هؤلاء بمعظم تقاليد الدين بما فيها طقوس السبت والحفاظ على “الكاشير” (“الحلال”) لكنهم لا يعتبرون أنفسهم ملتزمين بجميع وصايا الدين.

ومن المرجح أن اليهودية التقليدية في جميع أنحاء العالم كانت هكذا تماما، حيث أن معظم اليهود لم يكونوا خبراء فيما يخص وصايا وتقاليد الدين، وعاشوا حياتهم وعملوا والتقوا ببعضهم خلال الصلوات والأعياد والمناسبات المختلفة.

داتييم لئومييم – المتدينون القوميون

تكوّن هذه الطائفة نحو 11 % من المجتمع اليهودي في إسرائيل وتعود جذورها إلى نهاية القرن التاسع عشر، حيث انضم عدة متدينين إلى الحركة الصهيونية التي هدفت إلى إعادة إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل. وكان هذا الموقف ثوريا في ذلك الحين، إذ كانت الصهيونية تعتبر في تلك الأيام حركة علمانية بحتة. لكن هؤلاء المتدينين اعتبروا العودة إلى صهيون فكرة يهودية دينية ونظروا إلى جمع اليهود في إسرائيل كتحقيق للتنبؤات القديمة في الكتاب المقدس. ويرى معظم هؤلاء أن دولة إسرائيل “مستهل نبت الخلاص” اليهودي، لذا يمثل إخلاصهم لدولة إسرائيل أمرا شبه ديني.

وفي أيامنا هذه يشغل العديد من أبناء هذه الطائفة مناصب مهمة في الدولة مع اختلاطهم الكامل في مختلف المجالات. ويتميز المتدينون خارجيا بالـ “كيبا” (الطاقية) التي يضعها الذكور والتنورة عند النساء.

حريديم – المتدينون المتشددون

تمثل هذه الطائفة الأقلية، نحو 9 % من المجتمع اليهودي في إسرائيل، ويتميز أبناؤها بشكل واضح عن غيرهم بالملابس السوداء الطويلة والقبعات السوداء التي يرتدونها وجدائل الشعر المجعدة بجانب الأذنين عند الذكور، والملابس الطويلة المحتشمة وتغطية الشعر تماما عند النساء.

وتعود جذور هذه الطائفة إلى نفس فترة الانفتاح والتنوير السالفة الذكر (القرنين الـ 18 و19)، حيث كان رد فعل هذه الطائقة عكسيا تماما على حركة التنوير. فردا على الانفتاح الذي قد يؤدي إلى ترك الدين، رفع المجتمع الحريدي أسواره عاليا وتحصن في قلعته الدينية، انسجاما مع قول القائد الحريدي حاتام سوفير: “كل الجديد ممنوع وفقا للتوراة”!

ويعتبر المجتمع الحريدي نفسه ملتزما بجميع وصايا الدين، بل إنه يتشدد ويزيد المحرمات حفاظا على هويته الخاصة وخوفا من التأثيرات الخارجية على الدين. كما ويعارض الصهيونية، أو على الأقل يعتبر نفسه غير مبال بها، كونها حركة ذات جذور علمانية. لذلك لا ينضم معظم أبناء هذه الطائفة إلى جيش الدفاع الإسرائيلي ولا يلعبون دورا في المجتمع العام، ويطيعون أوامر حاخاماتهم فقط في جميع مجالات الحياة ويؤيدون التشريع الديني.

هكذا نرى كم المجتمع اليهودي متنوع ومختلف طائفيا بشكل كبير! لكن هذا التنوع الطائفي لم يكن سببا ولم يؤد إلى انقسام المجتمع واقتتال أفراده كما لدى أتباع ديانات أخرى، أو مجتمعات ودول في المنطقة شهدت وتشهد صراعات وحروبا أهلية طائفية فتكت بوحدة وتعايش تلك المجتمعات.

 

تعليقات