مسك الختام في عيد المظلة: الإحتفاء بالتوراة

أوهاد مرلين

في هذه الأيام نحن على عتبة عيد “سمحات توراة” أو فرحة التوراة، الذي يحل سنويا في اليوم الثامن من عيد المظلة (سوكوت). ويرمز هذا العيد إلى إنهاء قراءة التوراة على مدار السنة، وبداية دورة جديدة. تحتفل بالعيد جميع المجتمعات اليهودية حول العالم بالرقص وتلاوة الأغاني الدينية وإقامة حلقات الدراسة الدينية احتفاء بالتوراة التي انزلها الرب على بني إسرائيل.

وبحسب الشريعة اليهودية – الهلاخاه، يتم قراءة جزء من أجزاء التوراة خلال صلوات الصباح في أيام السبت،لتكتمل  الدورة خلال 52 أسبوعا. وتجدر الإشارة الى ان هذا العيد لم يكن موجودا كما هو اليوم في التوراة، بل وإنما اكتسب هذا المعنى على مر العصور. اليكم ظروف تطور هذا العيد حتى أيامنا هذه.

التوراة

الجدير بالذكر أن الاسم “توراة” والذي يعني باللغة العبرية “الإرشاد” أو “التعليم” يشير إلى أسفار النبي موسى عليه السلام الخمسة، هي أسفار “التكوين” و”الخروج” و”اللاويين” و”العدد” و”التثنية”. وتحتوي التوراة مضامين مختلفة ابتداء بقصص الخليقة ، ثم قصص الأنبياء نوح وابراهيم واسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام، ثم قصص خروج بني إسرائيل من مصر وانشقاق البحر ونزول التوراة والترحال في الصحراء، وحتى خطاب النبي موسى عليه السلام الأخير قبل دخول بني إسرائيل إلى أرض إسرائيل ووفاته على جبل نيبو. وخلافا لترتيب السورالقرآنية، فإن التوراة منظمة، وفقا للترتيب الزمني ووفقا للأجيال المختلفة، وتحتوي أيضا على قوانين دينية واجتماعية وفروضا ووصايا إلهية مختلفة وحتى فقرات من الترانيم الدينية للرب.

العيد التوراتي: شميني عتسيرت

يأتي ذكر اليوم الثامن من عيد المظلة (سوكوت) في التوراة في سفر العدد الأصحاح ال 29.

وَفِي الْيَوْمِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ السَّابعِ، يَكُونُ لَكُمْ مَحْفَلٌ مُقَدَّسٌ. عَمَلاً مَا مِنَ الشُّغْلِ لاَ تَعْمَلُوا. وَتُعَيِّدُونَ عِيدًا لِلرَّبِّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ… فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ: يَكُونُ لَكُمُ اعْتِكَافٌ. عَمَلاً مَا مِنَ الشُّغْلِ لاَ تَعْمَلُوا.

كان عيد المظلة من أعياد الحج الثلاثة التي اعتاد  بنو إسرائيل الحج خلالها  إلى أورشليم ثلاث مرات بالسنة: في أعياد الفصح ، نزول التوراة والمظلة لتقديم القرابين والشكر للرب. يعتبر اليوم الثامن للعيد يوما إضافيا لعيد العرش الذي يستمر 7 أيام، وسمي على مر العصور ب”شميني عتسيرت” أي “(اليوم) الثامن من الاعتكاف”. وبين العادات التي أقيمت في هذا اليوم بشكل تقليدي: طقوس صب النبيذ والماء، والبدء بتلاوة صلوات الإستسقاء اليومية مع اقتراب الخريف. وعلى نقيض أعياد يهودية يحتفل بها على الأغلب بسبب أحداث تاريخية، فإن  “شميني عتسيرت” لم يكرس لحدث ما بل يستهدف التعبير عن التقدير والشكر للرب والصلاة لأجل الأمطار المباركة. غير أن هذا العيد اكتسب معنى جديد  اي “فرحة التوراة”.

عيد فرحة التوراة

ينسب التقليد اليهودي عادة لقراءة التوارة بحسب دورة محددة إلى الكاتب عزرا  وبالعبرية عزرا هاسوفير. وهناك من يقول أنه “عزير” بالعربية. ففي العراق معروف أن ضريح النبي العزيرموجود لحد ايمنا هذه على مقربة من البصرة.ويحج اليه المسلمون حاليا بعد أن كان محجا لليهود ايضا قبل هجرتهم. يعتبرعزرا القائد الروحاني اليهودي في فترة عودة اليهود إلى اورشليم من مدن بابل وفارس، في نهاية القرن الـ6 قبل الميلاد. وتوخى عزرا ترسيخ تعاليم التوراة  لدى الشعب اليهودي بعد عقود طويلة من السبي عن طريق تنظيم قراءة التوراة في أيام السبت تستغرق نحو ثلاث سنوات ونصف السنة. لكن بعد عدة قرون نظم الحاخامون الأوائل (حازال) دورة  أقصر، تمكن إنهاء قراءة التوراة خلال سنة واحدة فقط، وهذا هو النهج المتبع حتى أيامنا هذه.

والجدير بالذكر أن ترتيب القراءة مدار البحث حسب الأجزاء يشير إلى الترتيب الذي يتم قراءة التوراة فيه في الكنس خلال صلوات الصباح في أيام السبت، وأنه يسمح للجميع قراءة التوراة بشكل عام بأي ترتيب يريدون به.

ويعتبر عيد فرحة التوراة لفتة ايجابية انطلقت من صميم الشعب نفسه، حيث كرس بني إسرائيل أحد الأعياد التوراتية وزادوا عليه فحوى إضافيا لكثرة محبتهم وتقديرهم للتوراة التي أنزلها عليهم الرب. ومن المفارقة ان هناك عيد احياء  نزول التوراة – هو عيد الأسابيع، وهو العيد الذي أنزل فيه الرب  على الشعب التوراة “من الأعلى”، في حين أن عيد فرحة التوراة يعتبر العيد الذي استلم وبقبل فيه الشعب التوراة “من الاسفل”، فيما يمثل دليلا قويا على التزام المؤمنين بتعاليم ربهم وتقديرهم وحبهم للتوراة.

تعليقات