التاسع من آب: صوم في ذكرى الدمار والأمل بالإعمار!

ما المشترك بين الصوم في الإسلام واليهودية؟ أمور قد لا يدركها الكثيرون

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

يُروى  أن القائد الفرنسي نابليون بونابارت مر في أحد الأيام بالقرب من كنيس يهودي في باريس حيث سمع لحنا حزينا يتردد في المبنى. ثم نظر من خلال النافذة ورأى الناس جالسين على الأرض ويبكون ويطلقون ترانيم حزينة. وبعد الصلاة سأل نابوليون أحد المصلين ما اذا كانوا الحضور يندبون رحيل مسؤول في الجالية اليهودية؟

رد عليه اليهودي قائلا: “لم يمُت أحدٌ لكن المصلون يندبون تدمير الهيكل في أورشليم.”

نابوليون تحير قليلا فقال: “متى كان ذلك؟ فأنا لم أسمع عن أي هيكل دمر في أورشليم في الفترة الأخيرة!”

فرد اليهودي: “لم يقع الحدث المحزن في الفترة الأخيرة بل قبل نحو 1800 سنة، في العام 70 ميلاديا.”

ثم فكر نابوليون قليلا وقال: “إن الشعب الذي يستطيع أن يذكر ماضيه – فله مستقبل واعد وواضح”.

يصوم الشعب اليهودي  في اليوم التاسع من شهر آف العبري (اليوم)، والذي يقع عادة بين الشهرين تموز وآب، إحياءً لذكرى أكبر كارثتين في تاريخه: تدمير أورشليم وهدم مملكة يهوذا وحرق الهيكلين مرتين في نفس التاريخ: المرة الأولى في السنة 586 قبل الميلاد من قبل البابليين، والمرة الثانية في السنة 70 للميلاد من قبل الرومانيين. ورد هذا التدمير المؤلم في الكتاب المقدس:

“وَفِي الشَّهْرِ الْخَامِسِ، فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ… جَاءَ نَبُوزَرَادَانُ رَئِيسُ الشُّرَطِ… إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَأَحْرَقَ بَيْتَ الرَّبِّ، وَبَيْتَ الْمَلِكِ، وَكُلَّ بُيُوتِ أُورُشَلِيمَ، وَكُلَّ بُيُوتِ الْعُظَمَاءِ، أَحْرَقَهَا بِالنَّارِ. وَكُلَّ أَسْوَارِ أُورُشَلِيمَ مُسْتَدِيرًا هَدَمَهَا كُلُّ جَيْشِ الْكَلْدَانِيِّينَ الَّذِي مَعَ رَئِيسِ الشُّرَط… فَسُبِيَ يَهُوذَا مِنْ أَرْضِهِ” (سفر أرميا 52)

ويحل هذا الصوم 3 أسابيع بعد صوم السابع عشر من تموز، في إطار فترة تميزت أيضا بعادات الحداد والحزن تمهيدا لذكرى خراب الهيكلين. وضمن العادات التي انتشرت في هذه الفترة: الإمتناع عن الإستماع للموسيقى البشوشة وإحياء الاحتفالات الكبرى. يضاف لهذه التقاليد الإمتناع عن تناول اللحوم وشرب النبيذ قبل حلول التاسع من آف بتسعة أيام.

800px-AKOTEL323

حقوق التصوير: صيلمتي، ويكيمديا

بشكل عام، الصيام في اليهودية لا يعتبر مناسبة سعيدة مثل الإسلام، بل أنه يحيي ذكرى الماضي أملا بمستقبل أفضل. ويكون صوم التاسع من آف جزءاً من أربع “صيام التدمير” والتي يصومها اليهود إحياء لذكرى تدمير الهيكلين وطرد اليهود من أرضهم:

  • – العاشر من تيفيت، وهو يوم بدء فرض الحصار البابلي على أورشليم عام 588 قبل الميلاد، والذي استغرق نحو سنة ونصف.
  • – والسابع عشر من تموز وهو يوم اقتحام البابليين لأسوار أورشليم عام 586 قبل الميلاد.
  • – والتاسع من آف وهو يوم تدمير الهيكل وطرد اليهود مرتين أولاهما عام 586 قبل الميلاد ثم عام 70 ميلاديا.
  • – والثالث من تيشراي وهو يوم قتل القائد اليهودي جداليا وطرد باقي اليهود من أرض إسرائيل في بداية القرن الـ6 قبل الميلاد.

أما عادات الصوم فتشمل عدة تقاليد تعبيراً عن الحداد والحزن بما فيها:

  • – الصوم من غروب الشمس لغاية غروب الشمس التالي (خلافا لصوم رمضان مثلا والذي يبدأ مع شروق الشمس).
  • – الإمتناع عن الأكل والشرب.
  • – الإمتناع عن ارتداء الأحذية الجلدية.
  • – الإمتناع عن إقامة العلاقات الجنسية.
  • – الإمتناع عن الاستماع للموسيقى.
  • – الجلوس على الأرض أو بالقرب منها.

ويتلو المصلون في الكنس سفر “مراثي إرمياء” والذي يتحدث عن سقوط مملكة يهوذا في هذا التاريخ قبل 2500 سنة، كما يتم تلاوة صلوات خاصة في ساعات النهار تسمى ب”كينوت” أي “المراثي” التي كتبت على مر العصور ، معبرةً عن حزن الشعب اليهودي على فقدان هيكله وأرضه. وتتميز الصلوات اليومية بالأجواء الحزينة والألحان الكئيبة.

صلوات خاصة تسمى ب"كينوت" أي "المراثي". تصوير: ويكيمديا، Idobi

صلوات خاصة تسمى ب”كينوت” أي “المراثي”. تصوير: ويكيمديا، Idobi

لقد علمنا الحاخامون الأوائل أن الهيكل دمر بسبب “الكره من دون سبب” بين الناس، أي الخلافات العميقة التي طغت في ذلك الوقت على المجتمعات اليهودية المختلفة في أورشليم، والتي أدت إلى سلسلة من أعمال العنف والشغب بين اليهود وبعضهم البعض.

التاسع من آف في الوقت الحاضر

وتكرس ذكرى التاسع من آف في جميع أنحاء البلاد لعقد مؤتمرات وحلقات دراسية عديدة ،بمشاركة مفكرين وسياسيين وصحفيين، تتناول أوضاع المجتمع الإسرائيلي وسبل بناء الجسور بين المجتمعات المختلفة من الشعب. يأتي ذلك في إطار النهضة الروحانية التي تشهدها الثقافة اليهودية في إسرائيل في عصرنا الحالي.

ووفقا للموقع الأخباري NRG، التزم في العام 2015 ثلث الإسرائيليين بهذا الصوم، كما اعتبر 22% منهم “الكره من دون سبب” أكبر تهديد على إسرائيل.

وفي العام 1997 قررت الحكومة الإسرائيلية السماح لكل سلطة محلية وبلدية بوضع قانون محلي يمنع فتح الملاهي العامة والمطاعم والمقاهي في التاسع من آف،احتراما لهذه المناسبة.

العبرة من الصوم

هناك درس مهم يتوخاه الصوم، كما في صوم رمضان في الإسلام. فالصوم ليس هدفا بحد ذاته، بل هو اختبار للإنسان والتمعن في تصرفاته وتهذيب النفس البشرية، مثلما قال الرب في سفر زكريا 7:

“لَمَّا صُمْتُمْ وَنُحْتُمْ فِي الشَّهْرِ الْخَامِسِ وَالشَّهْرِ السَّابعِ… فَهَلْ صُمْتُمْ صَوْمًا لِي أَنَا؟… هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: اقْضُوا قَضَاءَ الْحَقِّ، وَاعْمَلُوا إِحْسَانًا وَرَحْمَةً، كُلُّ إِنْسَانٍ مَعَ أَخِيهِ. وَلاَ تَظْلِمُوا الأَرْمَلَةَ وَلاَ الْيَتِيمَ وَلاَ الْغَرِيبَ وَلاَ الْفَقِيرَ، وَلاَ يُفَكِّرْ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَرًّا عَلَى أَخِيهِ فِي قَلْبِكُمْ.”

تعليقات