سوبر ماما الإسرائيلية: بين المسؤوليات الزوجية وتحقيق الذات

في عصر العولمة، تُشابَه الأُم الإسرائيلية بهلوان يسير على حبل رفيع حاملاً على عاتقِهِ حملا ثقيلا يتطلب التوفيق بين المهام العائلية والزوجية ومصدر الرزق.

سمادار العاني

تشير معطيات لدائرة الغحصاء المركزية لعام 2013، أن عدد النساء في إسرائيل من سن ال15 بلغ 2,933,200. كما بلغت نسبة المشاركة النسوية في الفئة العمرية (25-64) في سوق العمل %57 بمعنى ان اغلب النساء تعملن ايضا خارج البيت لمشاركة الرجل في تحقيق الرفاه وتوفير متطلبات الحياة العصرية.

وبغية أداء مهامها المتعددة على أكمل وجه، تحتاج الأُم إلى طاقات هائلة تتلخص برعاية الأولاد والقيام بالأعمال المنزلية الى جانب متطلبات العمل والسعي للإرتقاء بالمهنة.

من طلب العُلا سهر الليالي
تقول “عانات” وهي أم لبنت عمرها 4 سنوات وحامل في الشهر الخامس: “أبدأ يومي في الساعة السادسة صباحا بتحضير وجبة الصباح لبنتي بالإضافة إلى تهيئتها للخروج. تبكي البنت أحينا حين أوصلها للروضة وتريد أن  أبقى معها هناك، فيما احاول  الإلتزام بمواعيد الدوام بدقة”.

“وإذا لا يكفي ذلك”, تضيف عانات: “أضطر أن أغيب عن الدوام وأن أبقى في البيت في حال مرضت البنت، ممّا قد يؤدي إلى إستياء المسؤولين في مكان عملي”.

وتروي “ساريت” وهي أُم لثلاثة أطفال اعمارهم دون ال8 سنوات: “علمني الواقع أن أعمل عدة مهام في ان واحد، وأحيانا لا يُسمح لي الوقت بتناول وجبة الصباح وأكتفي بشرب قهوة أو شاي في أحسن الأحوال”.

وتقول ساريت ان بعد نهاية الدوام الذي يمتد 8-9 ساعات يوميا تبدأ الجولة الثانية من المهام: “بعد عودتي من الدوام تنتظرني الشغلات المنزلية, فضلا عن توصيل الأولاد إلى دوراتهم الأُسبوعية ومساعداتهم في اعداد واجباتهم المدرسية. اتفرغ للطبخ في الليل واختار الوجبات السريعة الاعداد”.

qing-zi-966803_960_720

تحقيق او انكار الذات
تجد الأم نفسها في معظم الأحيان مضطرة أن تعود إلى الدوام بعد ثلاثة أشهر من الولادة، كانت قد تلقت خلالها معاشا من التأمين الوطني. اما اذا اختارت تمديد إجازتها، فهذا يعني انها لن تتلقى أي راتب من مكان عملها. كذلك فإن استئنافها العمل يستدعي ايجاد حاضنة للمولود، كما تروي ساريت: “كان أمامي خيارين: الخيار الأوّل أن أعود إلى الدوام، واصرف للحاضنة  80% من راتبي الشهري، أو أن أتنازل عن مكان عملي وتقدّمي المهني لصالح تربية الأطفال ورعايتهم”. وتُضيف: “قررت في نهاية المطاف العودة إلى العمل لأنني معنية بالحتفاظ بوظيفتي ومكان عملي على المدى البعيد. ناهيك أنّ العمل يضفي علي شعورا بالرضى من تحقيق الذات والإرتقاء في السلم المهني والاداري”. وهذا يذكرنا بالمثل القائل: “إذا لم تحاول ان تفعل شيئا ابعد مما اتقنته، فأنت لن تتقدم أبدا”.

working-1219889_960_720

غير ان الوضع يختلف عندما تجد المرأة العاملة في وظيفة يتطلب اداؤها ساعات طويلة. تمار، محامية في الثلاثينات وأم لثلاثة. تقول لنا:   “إنّ عملي كمحامية يستدعي ساعات كثيرة، ناهيك أنّهُ في هذه المهنة لا تحظى المرأة بتنازلات اي يتوقع منها ما متوقع من الرجل”. وهي تستعين بزوجها الذي يعمل ساعات أقل: إن “تقسيم الأدوار بين وبين زوجي مخالف تماما للوضع القائم في معظم العائلات: يأخذ زوجي على عاتقه الأشغال المنزلية  ورعاية الأطفال. إضافة إلى ذلك أتلقى مساعدة هائلة من أهلي الذين يبذلون أقصى جهودهم لرعاية الأحفاد ولتلبية إحتياجاتهم”. ولا شك ان تمار تؤمن بأن السعادة تكمن في متعة الإنجاز!

grandparents-1969824_960_720

اروح لمين؟
في ضوء هذه المعطيات، تلجأ غالبية الأُمهات إلى الحل الوسط  أيّ الدمج بين المهنة والأُمومة.  ضمن هذا الحل، تجد الأُم مكان عمل يتيح ساعات دوام قصيرة او جزئية  مما يتطلب الاكتفاء بدخل اصغر. ولكن هذا الخيار يفضي الى التنازل عن الإرتقاء في سلم التقدم المهني والقيام بوظائف تنتقص من قدرات المرأة المهنية.

اما راحيل وعمرها 25 وهي شابة متدينة لها 5 اطفال فإن العمل هو ضروة بالنسبة لها: “زوجي متدين ويطمح ان يكون حاخاما فهو يمضي معظم يومه منكبا على الكتب الدينية والدراسة وانا المسؤولة عن اعالة الأطفال”. تعمل راحيل مترجمة ولحسن حظها فإن هذا العمل يدر عليها مكسبا معقولا وهي لا تضطر الى الخروج من البيت. لكن اذا غاب الزوج عن البيت طول النهار كيف تتدبر امرها؟ تقول راحيل: “في وسطنا المتدين، الطفل البكر هو المسؤول عن اخوته الصغار ونحن نعلم الكبار على المساعدة في اعمال البيت ومساعدة اخوتهم الصغار كذلك”.

راحيل كغيرها من النساء المتدينات في الوسط الحريدي تعيش في مجتمع تقليدي لا تجد فيه المرأة المساواة مع الرجل. يعيش الزوجان حسب الأزمنة الغابرة ووفقا لما تشير عليه التوراة والكتاب المقدس. فالزوجة هي ربة بيت اولا وعليها أيضاً “ان ترقص على ايقاع الناي الذي يعزفه زوجها”، كما يقول مثل عبري.

brothers-179375_960_720

على الرغم من التقدّم الذي حققه المجتمع الإسرائيلي في التعاطي مع حرية المرأة، فإنه لا يزال يعاني من انماط فكرية تقليدية تكرس الأولوية للأمومة سواء كانت المرأة علمانية ام حريدية.  ومن الجدير بالذكر ان القوانين الأجتماعية شرعت تسير في صالح المرأة تدريجيا، مثل قانون اجازة الولادة الذي يسمح لأب الطفل ان يأخذ اجازة ولادة على غرار زوجته او حتى بدلا منها لتتفرغ لتحقيق انجازات في العمل وتحقيق الذات.

 

 

تعليقات