المسيح وآخر الأيام في اليهودية

ما معنى كلمة المسيح؟ وما رؤية الديانة اليهودية في موضوع آخر الأيام؟ في هذا المقال نعرض على القارئين نقطة النظر اليهودية من هذه المواضيع المثيرة جدا للاهتمام

أوهاد مرلين / حصري للمغرد

أصل كلمة “مسيح” – بالعبرية!

أصل كلمة “مسيح” من العبرية: “ماشياح” أو “ماشواح” يعني “الممسوح (بالدهن)” وتشير الكلمة للطقس الديني الذي شمل مسح الملك أم الكاهن أم أي آلة مقدسة للرب بالدهن الطقسي، كما ذكر على سبيل المثال في سفر الملوك الأول، الإصحاح الـ1:

فأخذ صادوق الكاهن قرن الدهن من الخيمة و مسح سليمان و ضربوا بالبوق و قال جميع الشعب ليحيي الملك سليمان!

لذلك يسمى المسيح بالعبرية أحيانا “ميلخ هاماشياح” أي “الملك الممسوح”.

مفهوم المسيح في الديانة اليهودية

ترى اليهودية أن المسيح ومفهوم آخر الأيام مرتبطان برؤية الخلاص القومي لبني إسرائيل. وفي الكتاب المقدس الرب هدد عدة مرات بمعاقبة بني إسرائيل بالسبي في حال لا يقومون بأداء أوامره ووصاياه. وذكر النبي موسى عليه السلام فكرة التوبة والخلاص الوطني في كلامه في سفر التثنية 30:

وَرَجَعْتَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِكَ، وَسَمِعْتَ لِصَوْتِهِ حَسَبَ كُلِّ مَا أَنَا أُوصِيكَ بِهِ الْيَوْمَ، أَنْتَ وَبَنُوكَ، بِكُلِّ قَلْبِكَ وَبِكُلِّ نَفْسِكَ. يَرُدُّ الرَّبُّ إِلهُكَ سَبْيَكَ وَيَرْحَمُكَ، وَيَعُودُ فَيَجْمَعُكَ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ بَدَّدَكَ إِلَيْهِمِ الرَّبُّ إِلهُكَ. إِنْ يَكُنْ قَدْ بَدَّدَكَ إِلَى أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ، فَمِنْ هُنَاكَ يَجْمَعُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَأْخُذُكَ. وَيَأْتِي بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي امْتَلَكَهَا آبَاؤُكَ فَتَمْتَلِكُهَا، وَيُحْسِنُ إِلَيْكَ وَيُكَثِّرُكَ أَكْثَرَ مِنْ آبَائِكَ.

وبالرغم من كون المسيح ليس مذكورا باسمه في أسفار موسى الخمس (“التوراة”) لكنه جاء في إطار الجزئين الآخرين من “التناخ”، هما أسفار الأنبياء “نفيئيم” والمكتوبون بروح القدوس “كتوفيم” (تم تفسير الفرق بين الأجزاء في هذا المقال).

وفي سفر إشعياء جاء، على سبيل المثال، أن في أحد الأيام سوف يقدم رجل من نسل الملك داود ليمثل ملكا وقاضيا لمملكة إسرائيل وللشعوب كلها، ويقيم واقعا طوبويا من البر والعدل والسلام العالمي بين الشعوب وبين المخلوقات كلها، كما يرافقه جمع الجاليات اليهودية من جميع أرجاء البلاد من قبل الرب. وذكرت فكرة المسيح (ولكنه لم يسم “المسيح” حرفيا) في الآيات الجميلة الشهيرة من سفر إشعياء والتي تتم قراءتها تقليديا في أعياد الفصح وعصريا في احتفالات عيد الاستقلال الإسرائيلي:

ويَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ… فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ، بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ. وَيَكُونُ الْبِرُّ مِنْطَقَهَ مَتْنَيْهِ، وَالأَمَانَةُ مِنْطَقَةَ حَقْوَيْهِ. فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعًا، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا.

لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ. وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَصْلَ يَسَّى الْقَائِمَ رَايَةً لِلشُّعُوبِ، إِيَّاهُ تَطْلُبُ الأُمَمُ، وَيَكُونُ مَحَلُّهُ مَجْدًا. وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ السَّيِّدَ يُعِيدُ يَدَهُ ثَانِيَةً لِيَقْتَنِيَ بَقِيَّةَ شَعْبِهِ…

وتحول مفهوم مجيء المسيح على مر السنوات إلى أحد أركان الإيمان اليهودي الـ13 (تم ذكرها في هذا المقال) وتم صياغته على النحو التالي:

إنني أومن بإيمان كامل بمجيء المسيح، وحتى لو تأخر فعلى كل حال سأنتظره بكل يوم حتى يقدم.

جدير بالذكر أن المفكر والفيلسوف الأندلسي اليهودي البارز موسى بن ميمون (“رامبام”، القرن الـ12 ميلاديا) قد أفتى بأن “لا فرق بين هذا العالم وأيام المسيح إلا فيما يخص استعباد الشعوب (لسعب إسرائيل)” أي أنه يرى أن “مجيء المسيح” يعني الاستقلال القومي والوطني للشعب اليهودي.

آخر الأيام وفقا لليهودية

ترى اليهودية، كما هو في الديانات الأخرى، أن في آخر الأيام سوف تقدم ممالك كثيرة لمحاربة بني إسرائيل (وتعرف هذه الحرب الكبرى باسم “جوج وماجوج”) لكن الرب يساندهم وينقذهم من أعدائهم، ثم يُعتقد أن المسيح سيقدم. وذكرت هذه الحرب في سفر حزقيل الاصحاح الـ38. ويجدر بالذكر أن وفقا لليهودية فإن هذا الحدث لا يمثل “نهاية العالم” بل تغييرا سياسيا كبيرا يقود إلى سلام عالمي ان شاء الله.

وخلافا للديانات الأخرى، اليهودية لا ترى أن هذه الحرب من شأنها كسب المزيد من المؤمنين اليهود، فاليهودية ليست دينا تبشيريا ولا تهتم بفرض شرائعها على غير اليهود. بالتأكيد، الدين اليهودي يرى بالاعتراف العالمي بتوحيد الرب والسعي لعبادته بلا شرك قيما مهمة وأهدافا منتظرة. لكن حسب نظرة “آخر الأيام” اليهودية، ليس من الواجب أن تعتنق الانسانية كلها الديانة اليهودية لذا تمثل اليهودية بأهدافها وأغراضها دينا متسامحا حقيقيا.

تعليقات