الصوم الذي يجمع بين مأساة يهودية تاريخية وعصرية : العاشر من شهر تيفيت

 يصوم الشعب اليهودي، في العاشر من شهر “تيفيت” العبري، إحياءً لذكرى بداية الحصار البابلي الذي فُرض على أورشليم في عصر الهيكل الأول

حصري لموقع المغرد / من قبل أوهاد مارلين

“وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِمُلْكِهِ، فِي الشَّهْرِ الْعَاشِرِ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ، جَاءَ نَبُوخَذْنَاصَّرُ مَلِكُ بَابِلَ هُوَ وَكُلُّ جَيْشِهِ عَلَى أُورُشَلِيمَ وَنَزَلَ عَلَيْهَا، وَبَنَوْا عَلَيْهَا أَبْرَاجًا حَوْلَهَا. وَدَخَلَتِ الْمَدِينَةُ تَحْتَ الْحِصَارِ إِلَى السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ لِلْمَلِكِ صِدْقِيَّا… (سفر الملكوك الثاني، 25)

يصوم الشعب اليهودي، في العاشر من شهر “تيفيت” العبري، إحياءً لذكرى بداية الحصار البابلي الذي فُرض على أورشليم في عصر الهيكل الأول (عام 588 قبل الميلاد). وأسفر الحصارعن جوع صعب وظروف خطيرة في المدينة، كما يصفها النبي إرميا:

لَصِقَ لِسَانُ الرَّاضِعِ بِحَنَكِهِ مِنَ الْعَطَشِ. اَلأَطْفَالُ يَسْأَلُونَ خُبْزًا وَلَيْسَ مَنْ يَكْسِرُهُ لَهُمْ. اَلَّذِينَ كَانُوا يَأْكُلُونَ الْمَآكِلَ الْفَاخِرَةَ قَدْ هَلِكُوا فِي الشَّوَارِعِ. الَّذِينَ كَانُوا يَتَرَبَّوْنَ عَلَى الْقِرْمِزِ احْتَضَنُوا الْمَزَابِلَ. وَقَدْ صَارَ عِقَابُ بِنْتِ شَعْبِي أَعْظَمَ مِنْ قِصَاصِ خَطِيَّةِ سَدُومَ الَّتِي انْقَلَبَتْ كَأَنَّهُ فِي لَحْظَةٍ، وَلَمْ تُلْقَ عَلَيْهَا أَيَادٍ. كَانَ نُذُرُهَا أَنْقَى مِنَ الثَّلْجِ وَأَكْثَرَ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَجْسَامُهُمْ أَشَدَّ حُمْرَةً مِنَ الْمَرْجَانِ. جَرَزُهُمْ كَالْيَاقُوتِ الأَزْرَقِ. صَارَتْ صُورَتُهُمْ أَشَدَّ ظَلاَمًا مِنَ السَّوَادِ. لَمْ يُعْرَفُوا فِي الشَّوَارِعِ. لَصِقَ جِلْدُهُمْ بِعَظْمِهِمْ. صَارَ يَابِسًا كَالْخَشَبِ. كَانَتْ قَتْلَى السَّيْفِ خَيْرًا مِنْ قَتْلَى الْجُوعِ. لأَنَّ هؤُلاَءِ يَذُوبُونَ مَطْعُونِينَ لِعَدَمِ أَثْمَارِ الْحَقْلِ. أَيَادِي النِّسَاءِ الْحَنَائِنِ طَبَخَتْ أَوْلاَدَهُنَّ. صَارُوا طَعَامًا لَهُنَّ فِي سَحْقِ بِنْتِ شَعْبِي. (مراثي إرميا 4)

وبعد نحو عامين ونصف من فرض ذلك الحصار القاسي اقتحم البابليون المدينة المقدسة عام 586 قبل الميلاد وأحرقوها ودمروا الهيكل وطردوا سكان مملكة يهوذا من أرضهم، كما هو مذكور في الكتاب المقدس.

لذا يصوم الشعب اليهودي من شروق الشمس وإلى غروب الشمس، ويمتنع عن تناول الأكل والمشروبات. ومثل ما ذكرنا في المقال حول صوم إضافي يخص تدمير الهيكل (تيشعا بآف)، فإن الصيام في اليهودية بشكل عام لا يشير إلى فرص سعيدة بل إلى إحياء ذكرى الماضي الأليم وتقويم السلوك، أملا بمستقبل أفضل.

في أيامنا: يوم التقديس العام

وفي أيامنا، قررت الحاخامية الرئيسية في إسرائيل إلحاق معنى إضافي لهذا اليوم الحزين، مع إفتائها عام 1951 بتكريسه لإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست المجهول مكان وزمان مقتلهم. وتضاف هذه المناسبة إلى يومي إحياء ذكرى الهولوكوست الوطني الإسرائيلي في الـ27 من شهر نيسان العبري، والعالمي في الـ27 من شهر يناير.

ويسمى هذا اليوم “يوم التقديس العام” إشارة للصلاة اليهودية العتيقة “كاديش” (أي “التقديس” بالعربية). ويتم تلاوة هذه الصلاة عدة مرات في اليوم إضافة إلى مناسبات خاصة مختلفة، بما فيها مناسبات الحداد والفواة على روح الأموات. وتخص الصلاة الجميلة تكبير اسم الرب في العالم وتتم تلاوتها باللغة الآرامية القديمة، التي كانت لغة معظم اليهود خلال قرون طويلة ابتداء بنهاية عصر الهيكل الثاني وحتى القرنين ال7-8، فيما يلي ترجمتها للعربية:

ليتكبر وليتقدس اسم الرب (آمين)

في العالم الذي خلقه كما شاء، وفيه يرسخ ملكيته، وفيه ينبت خلاصه وإليه يقرّب مسيحه. (آمين)

خلال عمركم وخلال أيامكم وخلال عمر كل بيت إسرائيل، على عجل وبالزمن القريب وقولوا “آمين”.

ليكون اسم الرب مبارك دائما إلى أبد الآبدين.

ليكون اسم الرب مباركا مسبحا رافعا عاليا مهللا، تبارك هو،

إلى ما بعد كل البركات والأغاني والمجاملات والتي نقولها في العالم، وقولوا: “آمين”.

ليعم السلام السماوي العظيم والحياة والشبع والخلاص والشفاء والغفران والراحة علينا وعلى كل إسرائيل وقولوا: “آمين”.

عامل السلام في السموات، لينشر السلام علينا وعلى كل إسرائيل وقولوا: “آمين”.

وتقال هذه الصلاة بمرافقة “منيان” أي عشرة رجال بالغين بتوفر النصاب إحياء لذكرى ضحايا الهولوكوست.

إن الربط ما بين هاتين المأساتين من تاريخ الشعب اليهودي من شأنه أن يقوي علاقة الشعب بتأريخه الأصيل وبسلسلة الأجيال اليهودية طويلة المدى، كما يذكرنا بأن الشعب اليهودي تمكن بمشيئة الله من التغلب على فترات صعبة قاسية في التاريخ وسوف يحافظ على إيمانه ويتمسك بفكرة مجيء السلام العالمي.

ونتمنى في مثل هذا اليوم المهم أن نرى قريبا نبوة النبي زكريا تحقق:

“هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنَّ صَوْمَ الشَّهْرِ الرَّابِعِ وَصَوْمَ الْخَامِسِ وَصَوْمَ السَّابعِ وَصَوْمَ الْعَاشِرِ يَكُونُ لِبَيْتِ يَهُوذَا ابْتِهَاجًا وَفَرَحًا وَأَعْيَادًا طَيِّبَةً. فَأَحِبُّوا الْحَقَّ وَالسَّلاَمَ.”

تعليقات