كاتبة إسرائيلية في مقابلة مع صحفية تونسية تريد بناء جسر بين شعوب المنطقة

توثق الكاتبة الإسرائيلية تسيونيت فتال في روايتها  المترجمة الى العربية “الصور على الحائط” حياة الجالية اليهودية في بغداد. لكن ما الذي يربطها بالعراق وكيف تريد أن تساهم في الحوار والتبادل الثقافي بين شعوب المنطقة؟

داود رشو

ولدت وترعرعت بعيدا عن مسقط رأس والديها وأجدادها، في وطن كان أسلافها يحلمون بالعودة إليه يوما ما. إنها تسيونيت فتال، الكاتبة الإسرائيلية التي ولدت في إسرائيل، وتحمل في داخلها ذكريات آبائها وأجدادها في العراق الذي أرغم والداها على تركه بعد مصادرة أملاكهما وأموالهما وإسقاط جنسيتهما عام 1951 مثل كثير من يهود العراق بعد تأسيس دولة إسرائيل.

صحيح أن تسيونيت لم تولد في بغداد مسقط رأس أسلافها، إلا أنها وتحلم بزيارتها بحثا عن جذورها وأصولها العراقية. ولشدة تعلقها بوالديها أرادت أن تحتفظ بحضورهما وذكراهما في حياتها، كما تقول في أحد حواراتها مع ريم قمري في جريدة الصباح، وتضيف بأنه دائما كانت تجتاحها “الروائح والنكهات واللغة والموسيقى التي كانت تغمر طوال الوقت بيت والداي”.

بحث تسيونيت وسعيها إلى تخليد ذكريات وتاريخ وحياة والديها وأجدادها والجالية اليهودية عامة في بغداد، دفعها إلى كتابة روايتها “الصور على الحائط” بالعبرية. استطاعت أن تنقل فيها بدقة مدهشة أجواء بغداد وحياة الجالية اليهودية خلال النصف الأول من القرن العشرين، أي الفترة التي عاش فيها والدها هناك. لكن كيف استطاعت ذلك وهي التي لم تزر بغداد أو العراق مطلقا ولم تسمع في البيت من والديها سوى القليل عن العراق، حيث أرادا نسيان الماضي الأليم وأن تعيش تسيونيت وباقي أولادهما طفولتهم بعيدا عن بغداد وما جرى لهما وما عاناهما من مآسي الاضطهاد والترحيل. وحين حاولت أن تجد ما يذكر بحياتهما في بغداد لم تعثر على شيء “لا قصاصات مدونة ولا صور” فهما كما باقي اليهود منعوا من حمل أي وثائق أو صور أو ذكريات معهم.

ونظرا للواقع السياسي الذي يحول دون زيارتها لأرض أجدادها ومسقط رأسهم في بغداد، لم يبق أمامها سوى طريق الأبحاث والدراسات والكتب وصور وذكريات أشخاص آخرين غير أهلها والأفلام الوثائقية عن اليهود وحياتهم في العراق، بالإضافة إلى روايات الجيل الأول من الكتاب اليهود الذين نزحوا من العراق، وتقول تسيونيت التي أمضت ثلاث سنوات وهي تقرأ وتبحث عن بغداد “تجوّلت في أزقّة بغداد عن طريق المخططات والخرائط، شممت مياه دجلة عبر الأفلام والصور، وتذوّقت سمك المسكوف من أوصاف الذين عاشوا هناك. اكتشفت الثراء والغنى الروحي والثقافي اليهودي الذي ساد العراق”.

وصف موضوعي ودقيق لحياة الجالية اليهودية

وتلك الكمية الهائلة من المعلومات التي حصلت عليها وحياتها وإقامتها الافتراضية في بغداد خلال سنوات البحث الثلاث، كانت بمثابة نور ملأ “الفراغ الروحي” الذي كانت تشعر به. لكنها لم تحتفظ بذلك لنفسها فقط، فقررت أن تكتب روايتها “الصور على الحائط”. وتقول رغم كونها أديبة وتتمتع بحرية الكتابة والخيال، إلا أنها حرصت جدا على أن تبقى موضوعية وتصف “بدقة حياة الجالية اليهودية كما اطّلعت عليها من كافة مصادر المعلومات التي بين يدي”. ونجحت إلى حد كبير في وصف “بغداد كما في النصف الأول من القرن العشرين كأقرب ما يكون للواقع. والدليل على لذلك هو شهادات أبناء الجيل الذين لا يزالون يتذكرون بغداد” تقول تسيونيت.

لكن تعلق الكاتبة بالعراق وبغداد بالتحديد، يثير التساؤل عن سبب ذلك، فهل هو إعادة تشكيل واقع تمنت أن تعيشه، أم تأريخ وتوثيق لمرحلة من حياة شعبها، أم أنه الوفاء لذكرى عائلتها وأجدادها وجذورها العراقية؟ إنه كل ذلك، إذ تؤكد أنها وفية لعائلتها ومتعلقة بتاريخ شعبها وأن العراق كبلد أيضا يهمها. لكنها تضيف بأنها تريد التركيز على معارضتها “لكل تغييب أو محاولة تهميش أو إنكار للآخر. لذا أعطيت منصة وصوتا لجداتنا وأمهاتنا، اللواتي صمت صوتهن، بل تلاشى في ذلك المجتمع التقليدي، فقبعن في منازلهن، وانعزلن عن المشهد العام، ورويت قصة الجالية اليهودية في العراق… حيث بذل النظام السابق جهودا هائلة لتجاهل وجود هذه الجالية ومساهمتها في تطور العراق الحديث”.

تجاوز ترسبات الماضي وبناء مستقبل أفضل

ورغم أن تسيونيت فتال، أديبة وباحثة وتركز على الشأن الثقافي والأدبي بعيدا عن السياسية، فإنها تسعى إلى الحوار والتبادل الثقافي مع أصدقاء ومثقفين عراقيين. إذ “لا يمكن التغاضي عن تاريخنا وثقافتنا المشتركة، حتى لو لم أولد في العراق. يهمّني أمر العراق، مسقط رأس والدي، وحالته الآن تقلقني، حتى لو كان تاريخ العراق المعاصر مليئا بالفظائع الرهيبة التي ارتكبت بحق اليهود، والمحاولات خلال عشرات السنين لمحو وجود تلك الجالية التي كانت وفيّة وساهمت بالكثير في تطور وتقدّم العراق.” تقول تسيونيت واصفة ارتباطها وعلاقتها بالعراق. وتضيف متفائلة أن “علاقات القربى التي نشأت في السنوات الأخيرة بين النازحين من يهود العراق وبين عراقيين يعيشون في العراق وخارجه، رغم ترسّبات الماضي، يمكنها أن تشكل نموذجا لشعوب المنطقة”. وروايتها “الصور على الحائط” بترجمتها العربية ساهمت في فتح حوار ونقاش مع مثقفين عراقيين نشروا مقالات ودراسات عنها وعن روايتها، ما “قربني من عراق اليوم أيضا” تقول تسيونيت وهي سعيدة جدا بذلك وتعتبر التقاط كتاب وشعراء عراقيين صورهم وهم يحملون كتابها دعما لها وتقول “شعرت بتقدير عظيم حين علمت بأني أدرجت بقائمة الأديبات العراقيات”. ما يعتبر “بمثابة فتح باب لمستقبل أفضل، نستطيع من خلاله بناء الجسور مجددا بأعمدة التآخي والتعاون كما كان في عهد جداتنا وأجدادنا. ليت هذا الجسر الأدبي والثقافي يترجم إلى جسر سياسي ويشكل مثالا لكافة شعوب المنطقة”.

وصحيح أن الكاتبة متعلقة بالعراق وبغداد وتتمنى زيارتها، إلا أنها لا تعاني من مشكلة الهوية والانتماء وعن ذلك تقول “أنا يهودية إسرائيلية فخورة جدا بجذوري العراقية” وتؤكد بأن روايتها “جزء من رحلتي في اقتفاء آثاري العراقية، التي هي جزء من هويتي”. وتضيف “المحبة التي أغدقها علي قراء كتابي في العراق، تقرّبني بصورة طبيعية من عراق اليوم أيضا”. وهي قلقة على أوضاع الشعب العراقي وتأمل أن تنهض بغداد ثانية لا فقط بكلماتها، وإنما بالواقع و”تصبح رأس الجسر للتغيير في المنطقة”.

حقوق التصوير: تسيونيت فتال – فيسبوك

تعليقات