دافيد بن غوريون – مهندس إسرائيل الجديدة

دافيد بن غوريون أحد أبرز الساسة اليهود والإسرائيليين في القرن الماضي، وقد شغل منصب أول رئيس وزراء في دولة إسرائيل الحديثة، بالإضافة لنشاطه السياسي الكبير والحاسم في بناء الدولة الحديثة

حصري لموقع المغرد / اوهاد مرلين

ولد دافيد بن غوريون لعائلة “غرين” في عام 1886 في مدينة “بلونسك” البولندية حيث درس في مدارس دينية وحديثة، وفي عام 1900 أسس وشارك في نشاطات صهيونية هدفت إلى إعادة إحياء اللغة العبرية وتأهيل الشباب تمهيدا للهجرة لأرض إسرائيل. بعد انتقاله إلى مدينة وارسو لعدة سنوات، هاجر إلى أرض إسرائيل، والتي كانت تحت سيطرة الامبراطورية العثمانية، حيث انضم إلى صفوف حزب العمال الاشتراكي المحلي، “بوعالي تسيون” (عمال صهيون)، وشغل مناصب مختلفة في إطارها.

غيّر بن غوريون اسم عائلته (غرين) إلى (بن غوريون) إشارة إلى اسم يوسف بن غوريون، من قادة اليهود خلال فترة التمرد الكبير على الرومان (الأعوام 67-70 للميلاد) في عصر الهيكل الثاني وقبل دمار مملكة يهوذا.

وفي عام 1912 سافر إلى إسطنبول لدراسة القانون، وتعلم اللغة التركية. عند عودته لإسرائيل عام 1914 انضم العثمانيون إلى الحرب العالمية الاولى حيث هجّرت السلطات العثمانية العديد من الناشطين الصهيونيين من أرض إسرائيل، بما فيهم بن غوريون، والذي طرد إلى نيويورك في عام 1915. رجع بن غوريون إلى أرض إسرائيل بعد الاحتلال البريطاني للبلاد عام 1918 وبعد وعد بلفور الشهير، حيث أصبح أحد أبرز قادة المؤسسات اليهودية.

في أرض إسرائيل من جديد

وفي عام 1930 أسس “حزب عمال أرض إسرائيل” (وباختصار: “ماباي”) والذي قاده لسنوات طويلة بعد ذلك. وكان بن غوريون بصفته رئيس الوكالة اليهودية المسؤول عن منظمة الدفاع المسلحة اليهودية “هاغاناه”، حيث كان من مهندسي فكرة “الاحتواء” والتي نصت على ردود الفعل المتناسبة تجاه الاعتداءات العربية، وعدم المساس بالأبرياء، خلافا للمنظمات المسلحة المتطرفة، مثل “ليحي”. كما وقرر بن غوريون عدم محاربة البريطانيين خلال الحرب العالمية الثانية بسبب الكفاح البريطاني ضد النازيين في ألمانيا، ذلك بالرغم من تصدير السلطات البريطانية لسياسة “الكتاب الأبيض” والتي حددت وقيدت عودة اليهود لأرض إسرائيل رغم الأوضاع القاسية في أوروبا. وقرر بن غوريون ألا يكافح السياسات البريطانية بقوة السيف بل ب”الحرب الهادئة” – أي العودة غير القانونية الى أرض الميعاد وإقامة البلدات الجديدة وما الى ذلك.

وفي عام 1946 اعتبر بن غوريون أن المنظمات المسلحة اليهودية الصغيرة لن توفر الحماية الكافية لمواجهة الجيوش العربية في حال اقتحامها للبلاد واندلاع حرب معها، لذا شرع بالقيام بالإجراءات التمهيدية لتوحيد صفوف المنظمات المسلحة لتكون جيشا واحدا، ما أصبح في شهر مايو 1948 جيش الدفاع الإسرائيلي.

في طريق الاستقلال

قاد بن غوريون مساعي الإقناع بضرورة تأييد قرار الأمم المتحدة من 29 من شهر نوفمبر 1947، والذي نص على إقامة دولتين – يهودية وعربية، وفعلا رحبت القيادة اليهودية بذلك القرار لكن للأسف الشديد الجانب العربي رفضه بشدة. وجدير بالذكر أنّ القرار نص أيضا على انهاء الانتداب البريطاني في أرض إسرائيل في الأول من شهر أغسطس 1948، لكن البريطانيين قرروا تقديم تاريخ إخلاء القوات إلى الليلة الواقعة بين الرابع عشر والخامس عشر من شهر مايو من نفس العام.

في الصورة: دافيد بن غوريون يعلن قيام دولة إسرائيل

وأدى الرفض العربي للقرار الأممي، بالإضافة للإصرار البريطاني على إخلاء القوات البريطانية، إلى حالة من الإرباك فيما يخص مستقبل البلاد، لكن بن غوريون قرر السير قدما بالحزم والعزم باتجاه إقامة الدولة اليهودية الجديدة. وفعلا في الرابع عشر من مايو أعلن بن غوريون عن إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل، هي أرض إسرائيل، في إطار التقاء خاص لقادة المؤسسات اليهودية. واكد في لقاء مع مراسل اجنبي اجري بعد اعتزاله عن السياسة ونشر في اطار فلم وثائقي جديد عن سيرته  أنه كان على يقين وثقة بأن اليهود الطلائعيين سيستطيعون تنفيذ مهمة الدفاع عن الدولة وبتفان كبير.

رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول

تميزت السنوات الأولى للدولة بكثير من الإرباك وعدم الاستقرار – بسبب الحرب التي شنتها الجيوش العربية على الدولة الفتية من ناحية، وبسبب الاقتصاد الهش من الأخرى، وبسبب عملية استيعاب مئات آلاف اللاجئين اليهود العائدين من الدول العربية والأوروبية على حد سواء. لكن بن غوريون نجح في التغلب على معظم التحديات القاسية بسبب إصراره وحكمته ومحبته الكبيرة لشعبه وأرضه.

شغل بن غوريون منصب رئيس الوزراء خلال ولايتين مختلفتين استمرتا إجمالا نحو 13 عاما. ومن أبرز القضايا التي شهدها حكمه: حرب الاستقلال، واستيعاب نحو 600 ألف عائد يهودي، وعملية “كاديش”  اي حرب السويس ،ردا على إغلاق المصريين لمضيق تيران، وإطلاق أول صاروخ دفاعي إسرائيلي.

وكان بن غوريون من مهندسي رؤية “وعاء الانصهار” والتي نصت على دمج جميع الفئات والمجتمعات والطوائف الإسرائيلية لأجل صناعة نوع جديد من اليهودي الإسرائيلي العبري. كما وضع بن غوريون الأساسات لعلاقات الدين والدولة وعلاقات الدولة بالمواطنين المتدينين والحريديم، ومنها اباحة تحمل المحاكم الدينية (اليهودية والمسيحية والإسلامية) بصلاحيات شؤون الزواج والعائلة.

ويرى منتقديه أن بن غوريون فشل في دمج العائدين من اليهود الشرقيين الجداد في المجتمع الإسرائيلي من خلال الأخطاء التي وقعت لدى استيعابهم ، كما وأنه تجنب إشراك اليمين بقيادة مناحيم بيغين في عملية صنع القرارات في إسرائيل. وفي شريط وثائقي قال اثر حرب الأيام الستة انه يفضل السلام بدون الاراضي المحتلة “.

وفي نهاية حياته تقاعد بن غوريون لينتقل إلى كيبوتس “سدي بوكير” في النقب وشارك في الحياة الاشتراكية والأعمال اليومية في الكيبوتس، انسجاما مع رؤيته الشهيرة بأن “الشعب اليهودي سيُختبر في النقب” إشارة للتحديات التي يحملها الإسكان وإحياء البرية وتطوير الزراعة في الصحراء.

وفي أيامنا يُنظر إلى بن غوريون (والذي يطلق عليه اسم “هازاكين” – “العجوز”) بصفة مهندس الدولة اليهودية، والقائد السياسي الذي قاد الشعب اليهودي إلى استقلاله في أرضه، ويتم تخليد ذكراه في إطارات عديدة في الدولة، منها تسمية أكبر وأبرز مطار إسرائيلي دولي، مطار بن غوريون.

حقوق الصور: مكتب الصحافة الحكومي

تعليقات