الألماني كالماير غامر بحياته لإنقاذ آلاف اليهود من المحرقة!

كثيرون يقومون بأعمال إنسانية عظيمة ويغامرون بحياتهم من أجل الآخرين، لكنهم يبقون مجهولين، مثل الألماني كالماير الذي أنقذ آلاف اليهود من المحرقة. فمن هو وكيف أنقذ حياة الآلاف؟

حصري لموقع المغرد من داود رشو – ألمانيا

رغم أن ما قام به هانز غيورغ كالماير من عمل شجاع كان سيكلفه أكثر من حياته ويفوق شجاعة كثيرين دخلوا التاريخ، إلا أنه يكاد يكون مجهولا! حيث أنقذ المحامي الألماني حياة آلاف اليهود في هولندا إبان الحرب العالمية الثانية.

ولد هانز غيورغ كالماير في الـ 23 من حزيران 1903 في مدينة أوسنابروك شمال غربي ألمانيا، سار على درب والده القاضي فدرس الحقوق وأصبح محاميا متخصصا في القضايا الجزائية. عام 1933 بعد سيطرة النازيين على السلطة تم منعه من ممارسة المحاماة لاتهامه بالتعاون مع الشيوعيين والماركسيين لدفاعه عن معتقلقيهم وتشغيله موظفا يهود في مكتبه رفض تسريحه. لكنه استطاع أن يعود إلى ممارسة المحاماة بعد عام من المنع وإثباته للمحكمة عدم صحة تلك الاتهامات وأنه ليس شيوعيا. بل على العكس من ذلك كان عضوا في منظمات تابعة للحزب النازي مثل اتحاد الحقوقيين النازيين، لكنه لم يكن عضوا في الحزب.

الماضي النازي

أثناء الحرب العالمية الثانية كان جنديا في الجيش الألماني والتحق بسلطات الاحتلال النازي لهولندا، فتم تعيينه في إدارة الاحتلال بمدينة لاهاي مديرا لقسم الإدارة الداخلية. وكان من ضمن اختصاصات هذا القسم ومديره كالماير اتخاذ الإجراءات المتعلقة بسياسة الاحتلال النازي تجاه اليهود واتخاذ القرار بشأن من يتم الشك في أصوله الآرية وفيما إذا كان يهوديا أو نصف أو ربع يهودي.

من خلال إدارته لهذا القسم أنقذ كالماير حياة آلاف اليهود، لا يعرف عددهم تماما لكن التقديرات تشير إلى أنه يتجاوز الخمسة آلاف. وقام بإنقاذ هؤلاء اليهود رغم أنه ومنذ شبابه وأيام الجامعة وقبل التحاقه بالإدارة النازية كان مقربا من النازيين وعضوا في مجموعة تابعة للحزب النازي لدى محاولة هتلر الانقلابية الفاشلة في ميونيخ عام 1923؛ ومنذ بداية استيلاء النازيين على السلطة عام 1933 كان مقربا منهم وعلى توافق معهم!

كان من اختصاصه أيضا كمدير لقسم الإدارة الداخلية في السلطة القضائية للاحتلال النازي، أن يقرر ترحيل أو عدم ترحيل شخص ما إلى أحد معسكرات الاعتقال النازية. تجدر الإشارة إلى أنه وبحسب أيديولوجية النازية، يعتبر المرء يهوديا تاما إذا كان أجداده الأربعة السابقون يهودا، ثلاثة أجداد ثلاثة أرباع، جدان نصف يهودي. وإذا كان جد واحد يهودي لم يكن يلحق ضرر بالشخص، يقول المؤرخ الألماني يواخيم كاستان في حوار إذاعي متحدثا عن طريقة تصنيف النازيين للناس. ومن هنا استطاع المحامي الذكي والشاطر هانز غيورغ كالماير أن يرد عليهم بوسائلهم وأيديولوجيتهم نفسها.

تكريم رفيع في إسرائيل 

وفي لاهاي كانت هناك في تلك الفترة شبكة تقوم بتزوير وثائق شخصية مثل شهادات الميلاد والزواج وإثبات الأصول الآرية. صحيح أن كالماير لم يكن يزور تلك الوثائق بنفسه، لكن الوثائق المزورة كانت تمر كلها على مكتبه ويتخذ هو القرار بشأن صحتها وفيما إذا كانت مزورة أم لا، فكان يغض النظر عن الوثائق المزورة التي يقدمها أشخاص ليخفوا أصولهم اليهودية، ويمررها على أنها صحيحة رغم كشفه أنها مزورة، بل يقال أأنه كان يعطي النصائح حول كيفية تزوير النسب. ويعتبر هذا العمل شجاعة فائقة منه كادت أن تودي بحياته، إذ أنه في أيلول عام 1944 حامت الشكوك حوله وأصبح تحت مراقبة المخابرات والشرطة السرية “غستابو”.

وفي هذا السياق يقول المؤرخ كاستان “في إحدى رسائلها، تحدثت السلطات النازية عن غش وعمليات احتيال كبيرة في مسألة النسب في هولندا، وينبغي إعادة فحص كل الحالات التي مرت على مكتبه (كالماير)” لكن ولحسن حظه أن قوات الحلفاء في تلك الفترة كانت تقترب أكثر وأكثر من لاهاي، فلم تتم إعادة الفحص، ونجا كالماير كما نجا آلاف اليهود الذين ساعدهم. ولكن تم اعتقاله مع بقية موظفي سلطات الاحتلال النازي في هولندا. بقي معتقلا لمدة عامين حتى تم توضيح دوره وما قام به من عمل إنساني. بعد إطلاق سراحه عاد إلى مسقط رأسه مدينة أوسنابروك وبقي فيها حتى وفاته عام 1972.

مثال يحتذى

إن ما قام به كان مغامرة بحياته وحياة عائلته والموظفين العاملين في إدارته، ويعتبر عملا بطوليا يفوق كثيرا ما قام به شيندلر الذي أنقذ حياة نحو 1500 يهودي. وقد تم توثيق ما قام به هانز غيورغ كالماير وإنقاذه حياة آلاف اليهود، في متحف الهولوكوست في إسرائيل “يادفاشيم”. وتم تكريمه في إسرائيل عام 1992 بمنحه اللقب الشرفي الرفيع “الصالحون بين الأمم”.

وإذا تمعنا في قصة كالماير وما قام به ونظرنا إليه من خلال الأحداث الراهنة والفظائع التي تعيشها منطقتنا مع تنامي موجة معاداة السامية والإرهاب، سنعرف كما نحن بحاجة إلى أمثاله لإنقاذ مئات آلاف الأبرياء ولنشر قيم التسامح والتعايش بين أبناء المنطقة بمختلف انتماءاتهم الدينية والإثنية والمذهبية. فليكن كالماير مثلا ونورا نهتدي به ونطمح للوصول إلى إنسانيته وبطولته.

حقوق الصورة البارزة: ويكيبديا

 

تعليقات