حنين يتبادله العراقيون مع يهود العراق- هل يتطور الى سلام بين الشعوب؟

مبارة شخصية مباشرة على صفحة الفيسبوك يطلقها رجل أعمال يهودي بريطاني لاصلاح ذات البين بين يهود العراق المهجرين والفارين وبين سكان العراق حاليا تلقى صدى واسع وعشرات الالوف من المشاهدات !

كان منطلق الحدث قد سبق بعدة أيام موعد حلول عيد رأس السنة العبرية الجديدة الأخير (في أكتوبر تشرين الأول الماضي)، حيث دُعي رجل الأعمال اليهودي البريطاني إدوين شكر للمشاركة في أول اجتماع من نوعه عقده وفد من المسؤولين العراقيين، الذين كانوا قد وصلوا إلى بريطانيا في زيارة رسمية، مع رؤساء مجتمع اليهود المنحدرين من أصول عراقية (والمعروف باسم مجتمع البابليين) المقيمين في الأراضي البريطانية. واشتكى الممثلون اليهود خلال الاجتماع من إهمال المقدسات اليهودية المتبقية في العراق. ورد عليهم المسؤولون العراقيون بالقول إنه لم ترِدهم حتى الآن أي طلبات رسمية للتعامل مع هذه القضية.

وقرر رجل الأعمال إدوين شكر التحرك على هذا الصعيد، حيث تشاور مع عدد من معارفه العراقيين ثم أقدم على إنتاج شريط مصور يخاطب العراق شعباً وحكومة ويتمنى له أن يعود عليه هذا العام بالخير واليمن والبركات إلى جانب تقديم الطلب بالحفاظ على المقدسات الدينية في الأراضي العراقية. وتستغرق مدة الشريط الذي تم رفعه إلى موقع فيسبوك 3 دقائق حيث شاهده حتى الآن مئات الآلاف من المتصفحين.

وبالتالي أخذت مئات التعليقات تنهال على شكر الذي تحدث خلال الشريط عن مدى اشتياق وحنين المجتمع اليهودي الذي كان مقيماً في العراق على مدى أكثر من 2600 عام إلى الوطن وأبنائه. وتجاوب العديد من المواطنين العراقيين العاديين وكذلك شخصيات رسمية بدفء مع هذه الدعوة متمنين استئناف العلاقات مع شكر وإخوانه اليهود المغتربين. كما تضمنت بعض التعليقات دعوة اليهود إلى تقديم يد العون لإعادة إعمار العراق في ظل ما يتعرض له في السنوات الأخيرة من ويلات ودمار. كما أعاد إدوين شكر في الشريط المصور إلى أذهان العراقيين حقيقة تعرض منزل وزير المالية العراقي الأسبق اليهودي يحزقيل ساسون، وهو من الشخصيات التأريخية محلّ التقدير في العراق حتى اليوم، مناشداً العراقيين الاستلهام بروح الأنبياء والحفاظ على تراثهم التأريخي والمعابد اليهودية والمسيحية في أراضيهم.

وكان من أبرز المعلقين على الشريط المصور أحد مشايخ العشائر السنية العراقية الذي عرض على إدوين شكر التعاون معه واستمرار الاتصالات بين العراق ومواطنيه اليهود السابقين. ويمكن النظر إلى هذا العرض على أنه يمثل اقتراحاً لشخصية مجتمعية بارزة ورفيعة المستوى بتجديد العلاقة بين يهود بابل وبلادهم. وقد تأثر شكر كثيراً لهذا الاقتراح مشيراً إلى أن العراقيين لم يحتضنوه طيلة حياته بهذا الشكل الذي يدعوه بصريح العبارة إلى إعادة رقي منزلة اليهود العراقيين إلى سابق عهدها.

احترام كل لامكونات في العراق هو المفتاح

وقال رجل الأعمال إدوين شكر في حديث لصحيفة “معاريف” تعليقاً على ما يجري بهذا الخصوص: “إننا نشهد أمام نواظرنا ثورة حقيقية، حيث يصرح العراقيون بأن المجتمع اليهودي في العراق كان مفخرة لهم ويعربون علانية عن أسفهم لمغادرة اليهود بلادهم. ومن الأهمية بمكان أن يسمع الجيل الحالي من العراقيين الصوت اليهودي الذي لم يسمعوه منذ 50 عاماً على الأقل، خاصة وأنهم أصبحوا يوقنون مجدداً مدى أهمية حضور اليهود في العالم العربي. ويقول لنا بعضهم: ‘لو كنتم حاضرين هنا لربما كانت الأمور بمجملها تنحو منحى آخر’. أما نحن فلا نطرح عليهم أي مطالب جديدة باستعادة حقوقنا بل نقول لهم: ‘إنكم إخواننا حيث نواجه جميعاً نفس المشكلة، لذلك تعالوا لنحلّها معاً، إذ كنا نقيم في العراق طيلة عصور تمتد لأكثر من 2000 عام وكنا نشرب معاً من مياه الفرات ودجلة وكنا نأكل الأرز العنبري. أما الآن فنرجو منكم أن تصونوا كل المواقع المقدسة أي ليس المواقع الخاصة باليهود فحسب بل أيضاً المواقع المسيحية والأيزيدية وغيرها’. إنني أتمنى أن تسنح لي فرصة اصطحاب ابني وحفيدي وابن حفيدي معي إلى العراق ليتسنى لهم الاطّلاع على مجد حضارتنا السابقة في هذا البلد”.

شعور متبادل بين شتات يهود العراق والعراقيين

من الجدير بالذكر أن المواقع اليهودية المتبقية في العراق، بما فيها مقامات الأنبياء والكنس، تعرضت للإهمال منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. ويهتم اليهود المقيمون في دول الغرب حالياً بإعادة تأهيل وصيانة هذه المواقع. ويضع رجل الأعمال إدوين شكر على رأس اهتماماته سبل إعادة بناء الجسور الجديدة وإقامة الاتصالات على المستوى الشعبي وليس على المستوى الحكومي الرسمي. ويستمدّ شكر تفاؤله من صحوة الإسرائيليين المنحدرين من أصول عراقية وتجدد اهتمامهم بجذورهم الذي توازيه مشاعر الحنين إلى اليهود لدى أبناء الشعب العراقي الذين يعتبرون اليهود جهة قادرة على تخليصهم من بؤس أوضاعهم الحالية واستعادة رونق بلادهم.

1528458_508878122609097_9055254611965451113_n

دور الاكراد في انقاذ يهود العراق

وكان إدوين شكر (61 عاماً) قد وُلد في حي بتاوين البغدادي الذي كانت تسكنه أغلبية يهودية. إنه لا يزال يذكر سعادة طفولته التي كانت تجمعه بأصدقاء مسلمين وأرمن إلى جانب مقاهي الحي التي كانت تنبض بالحياة فضلاً عن ثروة الأطباق العراقية. غير أن الأوضاع أخذت تتغير عشية اندلاع حرب الأيام الستة (1967) حيث بات من الصعب على اليهود العراقيين متابعة حياتهم الاعتيادية. وقد قرر والده عام 1971 الهجرة مع عائلته إلى بريطانيا. وكانت الطريقة المجربة لتهريب اليهود إلى خارج العراق في تلك الفترة تمر عبر أتباع الزعيم الكردي الملا مصطفى بارزاني، علماً بأن عمليات التهريب جرت حينها بالتنسيق الوثيق مع دوائر الاستخبارات الإسرائيلية. ويستعيد إدوين شكر ذكريات هروب عائلته من العراق حيث كان يجلس في الشاحنة التي نقلتهم إلى الحدود الإيرانية بمحاذاة السائق الكردي الذي أخبره بأنه يُدعى مسعود بارزاني ابن الملا مصطفى وطلب منه ألا ينسى أبداً المعونة التي قدمها له الشعب الكردي كلما أحيا قصة رحلته إلى خارج العراق. ومضت السنوات إلى أن أصبح ذلك السائق رئيساً لإقليم كردستان العراق الذي يتمتع بالحكم الذاتي. وشاءت الأقدار أن يكون إدوين شكر قد رافق عضواً في الكونغرس الأميركي حلّ ضيفاً على مقرّ رئاسة كردستان العراق، وعندما سنحت لشكر فرصة سرد قصة هروبه من العراق والتعبير عن عظيم امتنانه للشعب الكردي على تلك المساعدة، كانت دموع التأثر الشديد تترقرق في عيون جميع من حضر ذلك الملتقى.

باكورة انفتاح في العراق

غير أن إدوين شكر ليس اليهودي الوحيد المتواصل مع العراقيين بل هناك قنوات اتصال أخرى تعود إلى التقنيات الحديثة ولا سيما شبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى توفر قدر أكبر من حرية التعبير والصحافة في عراق ما بعد صدام حسين. وقد تملكت الصحفية الإسرائيلية ليندا منوحين عبد العزيز مشاعر التأثر الشديد لمشاهدة الشريط المصور الذي أنتجه إدوين شكر، علماً بأنها أيضاً من مواليد بغداد وكانت قد هربت من العراق عام 1971. وقالت عبد العزيز إن الفترة الحالية تشهد المبادرات الشخصية والاتصالات المباشرة بين سكان العراق ومواطنيه اليهود السابقين معتبرةً قنوات الاتصال الجديدة الأكثر تأثيراً واختراقاً للقلوب. وأضافت أنها تشعر بأن المعاملة الجيدة التي يقدمها العراقيون تنعكس أيضاً على الإسرائيليين. ويتفق إدوين شكر مع هذا التقييم للأوضاع الراهنة مشيراً إلى أن هناك عدداً من العراقيين الذين أخذوا يرحبون بزيارات الإسرائيليين لبلادهم.

حقوق الصور: فيسبوك

تعليقات