يهودا هاليفي – الشاعر والحاخام اليهودي الأبرز في الأندلس

حاخام يهودي أبدع في الشعر والفلسفة والفكر الديني، ويعد واحدا من أبرز الشخصيات اليهودية في تاريخ الأندلس. كتب باللغتين العربية والعبرية. لنتعرف على بعض إبداعاته ومحطات حياته

خصري للمغرد / أوهاد مرلين / سلسلة حكماؤنا

حياته وحلمه بزيارة القدس

ولد يهودا هاليفي نهاية القرن الحادي عشر الميلادي الذي يعرف بـ “العصر الذهبي” ليهود اسبانيا والأندلس، عام 1075 في مدينة توليدو الإسنابية. درس هاليفي علوم الدين اليهودي والفلسفة، وقد تأثر كثيرا بالمذاهب الفكرية اليونانية والإسلامية، ويعرف عند العرب المسلمين باسم أبو الحسن اللاوي.

بالإضافة إلى علوم الدين والفلسفة، أبدع هاليفي في الشعر واستضافه وجهاء اليهود والمسيحيين والمسلمين في مختلف أرجاء اسبانيا، وكان يرافقه في رحلاته شعراء يهود بارزون مثل الحاخام ابراهيم ابن عزرا.

كان هاليفي يتشوق لزيارة أورشليم- القدس التي كان يعشقها، وقد تجلى ذلك في شعره. لذلك لم يكن مفاجئا قراره في أواسط القرن الثاني عشر بتحقيق حلمه والسفر عن طريق البحر إلى مصر آملا في الوصول إلى أرض الميعاد. وصل الاسكندرية في مصر عام 1140 وبقي هناك عدة أشهر قبل أن يتابع سفره إلى الأرض المقدسة. لكن هنالك جدل وخلاف بين الباحثين حول ما إذا كان قد وصل إلى أرض إسرائيل، وليس معروفا ما إذا كان قد نجح فعلا في الوصول إلى أورشليم أم لا. فهناك أدلة تشير إلى بقائه في مصر حتى وفاته في العام التالي 1141، وهناك من المؤرخين من يقول إنه حقق حلمه ووصل إلى أورشليم.

أشعاره وتقربه من الرب

كتب رابي يهودا هاليفي الكثير من الأشعار، أغلبها دينية يتغنى فيها بأورشليم وتحرقه شوقا لزيارة المدينة المقدسة، حيث جاء في إحدى قصائده:

قلبي في الشرق وإنني موجود في حافة الغرب

كيف أتمكن من أن أذوق ما آكله وكيف يعجبني

كيف أتمكن من أن أنفذ ما وعدته، عندما

صهيون مأسورة بحبال إيدوم وأنا في حبال عرب؟

من البسيط بعيني أن أترك كل ثروة اسبانيا

كي أرى أطلال الهيكل المدمر.

كما وأعرب هاليفي في أشعاره عن حبه الكبير للرب وعن إرادته بالتقرب منه وعبادته على غرار الشعراء الصوفيين:

لقد طلبت جوارك

بكل قلبي دعوت لك

ومع خروجي إليك

قادما نحوي وجدتك

وبعجائب شجاعتك

بالقداسة حسست بك

هاليفي كان يتقن العبرية والعربية بشكل تام وقد تبحر فيهما وكتب وأبدع باللغيتن. وقد تناول في شعره مختلف المواضيع مثل الحب والهجاء والمديح والشوق والرثاء، يالإضافة إلى الكثير من القصائد الدينية التي لا يزال اليهود يرددون بعضها في صلواتهم. ويمتاز شعره بالتناسق والتناغم بين الموسيقى والكلمات، وبمستواه اللغوي الرفيع المميز.

الحجة والدليل في نصر الدين الذليل

أما بالنسبة للكتابة النثرية فإن معظمها كانت بالعربية. ومن أبرز مؤلفات رابي يهودا هاليفي هو كتاب “سفر هاكوزاري” أي “كتاب الخزري” والذي عنوانه “كتاب الحجة والدليل في نصرة الدين الذليل”. وكما يوحي اسم الكتاب، فإنه يتناول الوضع الصعب لليهود وما عانوه بسبب انعدام كتب تفسير الإيمان وتبعية الشعب اليهودي لأحكام وحكام ولبلاد مختلفة كانت تضطهدهم على الأغلب بسبب إيمانهم وكونهم يهودا فقط!

يعتبر هذا الكتاب مؤلفا فريدا من نوعه، فالكاتب لم يكتف بنشر تعاليمه وأفكاره بشكل تقليدي، إذ ألف كتابه بأسلوب استثنائي معتمدا على الحوار بدلا من المناجاة. وفي سفر هاكوزاري يستخدم الحاخام هاليفي حدثا تاريخيا حقيقيا كأساس لكتابه، وهو اعتناق سكان المملكة الخزرية للديانة اليهودية في القرن الثامن الميلادي. ويعرض في الكتاب حوارا خياليا دار بين الملك الخزري وحاخام يهودي، بعد أن تلقى الملك رسالة سماوية في حلمه دعته إلى البحث عن دين الحقيقة. ويتعامل الكتاب مع مواضيع كثيرة بما فيها التوراة وشعب إسرائيل ووصايا الرب وغير ذلك من الأمور والشؤون الدينية.

وفي الكتاب يطرح الملك الخزري أسئلة أساسية كثيرة على الحاخام تخص الإيمان اليهودي، والذي يجيب عليها بشكل مباشر أو من خلال الحكم والأمثال والإشارات إلى الكتاب المقدس والتلمود. وفي تحليل هذا الكتاب الاستثنائي يمكن القول إن الملك الخزري يمثل القارئ الخجول والفضولي الذي يملك أسئلة كثيرة تخص الدين والوصايا والإيمان، لكنه يخجل طرحها على مربيه أو على والديه. فالحاخام يمثل أفكار وآراء رابي يهودا هاليفي نفسه، ويعتبر هذا الكتاب من أبرز الكتب التي تظهر أركان الإيمان اليهودي الذي كان سائدا في القرون الوسطى في الأندلس.

وإن شخصية رابي يهودا هاليفي وموهبته وتأثيره على الفكر والأدب اليهودي جعله قدوة ونموذجا ومنارة في التاريخ اليهودي وييعتبر من أبرز الشعراء والمفكرين اليهود في الأندلس وفريد عصره.

حقوق التصوير: موقع حاباد

تعليقات