ميركل وغولدا مائير- امرأتان غيرتا التاريخ

امرأتان غيرتا التاريخ، المستشارة الالمانية انغيلا ميركل، ورئيسة الحكومة الاسرائيلية السابقة غولدا مائير.

صالحة هودالي – ألمانيا

الزعيمات ظاهرة نادرة في تاريخ البشرية، والمستشارة انغيلا ميركل واحدة من ألمع نجوم السياسة في الغرب اليوم، وقد باتت شمسا تدور حولها أضواء الاعلام. أما الشرق الأوسط فلم تتول الزعامة فيه سوى سيدة واحدة هي غولدا مائير، التي شغلت السياسة العالمية إبان حرب الغفران.

السياسية الألمانية انغيلا ميركل دخلت عالم السياسة متأخرة، فقد ولدت عام 1954 في مدينة هامبورغ شمال المانيا ، وتلقت تعليمها وكبرت في المانيا الشرقية سابقا. تحمل شهادة دكتواره في الفيزياء وهو ما يجهله كثيرون عنها. ثم انضمت الى الحزب الديمقراطي المسيحي بعد انهيار الجدار عام 1989 وانتخبت بسرعة قياسية أمينة عامة للحزب ، لتنتخب عام 2005 لمنصب المستشارية وتبقى فيه ثلاث دورات متعاقبة، فكانت بذلك أول امرأة في التاريخ تقود المانيا.

أنغيلا ميركل ليست مجرد مستشارة، فهي زعيمة تلتف حولها قلوب معظم الألمان  فيلقبونها ب” ماما ميركل” تحببا واحتراما لحسن ادائها السياسي والاداري، ويرون فيها عامل توازن نجح في ان يحفظ  استقرار وازدهار اقتصاد البلد في دوامة الانهيار المالي العالمي، كما نجحت في ان تضع المانيا في صدارة القرار السياسي الدولي من خلال مشروع الاتحاد الاوروبي ، حيث تُعد ميركل زعيمة غير معلنة له . هي اليوم مهندسة السياسة الاوروبية رغم أن المانيا ليست دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن.

ميركل: ” حين يتعلق الامر بالكرامة الانسانية، فلا توجد حلول وسط قط”.

حافظت ميركل على سياسة اسلافها بعدم الانغماس في حروب ونزاعات دولية متذرعة بالدستور الالماني الذي يمنع بصراحة التدخل العسكري في شؤون الدول الاخرى. ورغم ان المانيا حليف استراتيجي للولايات المتحدة الامريكية ولإسرائيل، فإنها نأت باستمرار بنفسها عن الانغماس في حروب وصراعات الشرق الاوسط. لكن أزمات الشرق الاوسط جاءت الى داخل البيت الالماني بتدفق مئات الوف اللاجئين على المانيا هاربين من سلطة الدولة الاسلامية المتوحشة التي تجتاح مناطق عدة في العالم العربي، أو فارين من صراعات مسلحة تحرق ليبيا وأرتيريا والصومال ومناطق افريقيا التي تحتلها بوكو حرام (الدولة الاسلامية في افريقيا)، ومصر التي يتصاعد فيها نشاط الاخوان والحركات المرتبطة بتنظيم القاعدة وبالدولة الإسلامية.

وفاجأت انغيلا ميركل شعبها والعالم بتغيير ثوابت السياسة الالمانية التي فضّلت دائما ان لا تكون ارضا للهجرة وبلدا للمهاجرين مثل بلدان العالم الجديد( رغم ان المانيا لم تصبح دولة حتى عام 1871 بتحقق الوحدة الالمانية على يد السياسي الفذ بسمارك). وهكذا فتحت ميركل الباب على مصراعيه فتدفق مئات الوف اللاجئين الذين يأمل كثيرون ان يجري دمجهم بسرعة في سوق العمل الالمانية النهمة.

عرف عن ميركل انها مقلة في الكلام، وليست من رواد البلاغة السياسية، لكن التاريخ سجل لها بضع مقولات من اشهرها: “اليورو قدرنا المشترك، وأوروبا هي مستقبلنا المشترك”. “التجسس بين الأصدقاء أمر غير مقبول اطلاقا”. “حين يتعلق الامر بالكرامة الانسانية، فلا توجد حلول وسط قط”.

غولدا- مثال يتيم للزعامة المؤنثة في الشرق الاوسط

ولعل من المفارقة أن يكون المثال الوحيد للزعامة السياسية المؤنثة في الشرق الاوسط قد تحقق في اسرائيل من خلال رئيسة حكومتها الوحيدة في التاريخ الحديث غولدا مائير، والمفارقة هنا أنّ الدولة العبرية هي الدولة اليهودية الوحيدة في العالم، واليهودية كما هو شائع ديانة محافظة في الغالب بشان مشاركة النساء في الحياة العامة، حدث ولا حرج ان تأتي المشاركة سياسية رائدة قائدة !

واذا كانت ميركل قد ترعرعت في ظل الحكم الشيوعي الديكتاتوري، ثم هاجرت الى المانيا الغربية ( آنذاك) بعد سقوط الجدار، وتزوجت مرتين دون ان تنجب اطفالا، فإنّ غولدا مائير وفي عام 1906 حين كانت في الثامنة من عمرها قد غادرت وعائلتها كييف عاصمة اوكرانيا التي كانت تحت سلطة الامبراطورية الروسية قبل أن يحل العصر الشيوعي، لتسكن في الولايات المتحدة الامريكية وتتلقى تعليمها هناك بدءا من سن الثامنة.

عام 1915 انضمت الى الحركة الصهيونية وهي في السابعة عشر من عمرها، لتصبح شخصية رائدة في الحركة التي كانت تنتشر دوليا بسرعة كبيرة، وباتت غولدا تلقي خطبا في الساحات العامة بالإنكليزية واحيانا بالعبرية فيحتشد حولها جمهور يصل عدده الى بضع مئات من الأشخاص.

تزوجت عام 1917 من الناشط الاشتراكي موريس ميرسون، ومعه سافرت الى فلسطين عام 1921 لتستقر في احدى الكبوتسات وتبدأ تجربة “الاشتراكية الصهيونية” التي يعدها كثيرون التطبيق الوحيد لكومونات الشيوعية التي نظّر لها الفيلسوف الألماني كارل ماركس ورفيقه هيغلز.

في رحلتها السياسية الطويلة توقفت في محطات عمالية ونقابية وتنظيمية امتازت بها الحركة الصهيونية عما غيرها، وكان عملها يتطلب منها تضحيات كثيرة ربما كانت سببا في انفصالها عن زوجها سنوات عدة رغم انها كانت أما لصبي ” مناحيم ” وفتاة ” ساره”. ومع ذلك لم يعلن الزوجان المنفصلان قط طلاقهما حتى وفاة الزوج موريس عام 1951.

غولدا مائير: ” ليست خطيئة ان يبلغ المرء السبعين من العمر”

والمقاربة في الوضع بين ميركل الالمانية ، وغولدا الاسرائيلية، هي تفوق السيدتين في زعامة بلديهما في مراحل تاريخية صعبة، كانت الهجرات ابرز ملامحها.

المنعطف الحاسم في حياة غولدا كانت الوفاة المفاجئة لرئيس الوزراء الاسرائيلي ليفي اشكول عام 1969، فاقنعها حزبها ” ماباي-العمل” ان ترشح لمنصب رئيس الحكومة رغم رغبتها المعلنة بالتقاعد وترك العمل السياسي. وفازت بالانتخابات، وكان متوقعا ان ترشح لدورة ثانية لولا قيام حرب الغفران ( 6 تشرين أول/ اكتوبر 2015) وما آلت اليه من نتائج عدها بعض الاسرائيليين هزيمة للدولة العبرية.

وفي عام 1974 ونتيجة ضغوط اهالي ضحايا حرب يوم الغفران (كيبور) ، والمنافسة السياسية، فشلت في تشكيل حكومتها الجديدة، فقدمت استقالتها .

لكنها امضت سنوات حياتها الاخيرة محبوبة من اغلب الناس وعاشت بينهم، فكان سائقو الحافلات العامة ينزلون من مقاعدهم، ويفتحون لها الباب لتجلس في الصف الامامي، وما فتئ الرجال والنساء يرفعون لها القبعات بالتحية صباح مساء في شوارع وحواري المدن الاسرائيلية، واطلق اسمها على شوارع ومدارس ومصانع عدة في المدن الاسرائيلية.

ويذكر التاريخ أنّ غولدا كانت دائما من نجوم فلسفة الكوميديا السوداء ويسجل لها عبارات خالدة من قبيل: “التشاؤم ترف لا يسمح اليهودي لنفسه أن يمارسه”. “سيأتي السلام حين يحب العرب أبناءهم اكثر مما يمقتوننا”. “ليست خطيئة ان يبلغ المرء السبعين من العمر”.

تعليقات